تجديد ام دين جديد

10 08 2014

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا فقها وادبا وإخلاصا للدين يارب العالمين . أما بعد:

فقد اقتضت حكمة الله عز وجل ان يكون دين الإسلام الدين الخاتم للرسالات السماوية الباقي إلى قيام الساعة ولهذه الحكمة فقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا الدين صالح لكل زمان ومكان مهما اختلفت الأزمنة ومهما ارتقى الإنسان في سلم العلوم والحضارة لأن الحاجة إلى الدين حاجة فطرية لايمكن الاستغناء عنها كما لا يمكن التخلي عن الطعام أو الشراب.

وقد بقي الإسلام ومنظومته الفكرية والفقهية تلبي احتياجات الأمة طيلة القرون المنصرمة دون ان يراود الناس الشك بمقدرة الإسلام على الإتيان بحلول لكل ما هو جديد وارد على حياة الإنسان, إلى ان ظهرت دعوة العلمانية في حين كانت فيه الأمة تعاني من ضعف اودى بقواها الفكرية والمادية والاقتصادية فكانت نتيجة تلك الدعوة ان وضع الإسلام في قفص الاتهام ونسب إليه كل التخلف الحاصل في مفاصل حياة الأمة ومن ثم عزل هذا الدين عن مجرى الحياة السياسية والاقتصادية وسواها من المجالات وادخل في مقصورة المحراب ليكون راهباً منقطعا عن الحياة, ولكن لما كان الدين كلا لا يتجزأ ؛ أبى هذا الدين  ألا أن يمتد إلى حياة الأفراد ولو بشكل خجول في تعاملات الفرد المسلم الاقتصادية والجنائية وسواها من التعاملات اليومية.  واليوم وبعد التجربة المريرة لفصل الدين عن الدولة وبعد ان جربت الأمة حلولا شتى عسى ان تنهض بحالها من القاع عاد الوعي إلى البعض ليدركوا بأن  الحل الناجع لذلك النهوض يتجلى في هذا الدين إلا أن البعض بقي يشكك هل هذا الدين قادر على التعامل مع معطيات الحياة الحالية التي نحيها  ومن هنا انطلق ما يسمى الفكر التجديدي والإصلاحي على يد دعاة حاولوا جاهدين ان يبينوا للناس مدى اتفاق الإسلام وتناغمه مع الحياة العصرية التي نحياها ومع العلم والعلوم الحديثة المكتشفة  إلا ان المنهج التجديدي الذي انتهجه دعاة  صادقون مثل محمد عبده _أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً_ وغيره ممن عاصروه نجده اليوم قد تحول إلى نهج تحوم حوله الشبهات بسبب الانحرافات الكبيرة التي يخوض بها أصحاب هذا النهج تحت دعوة التجديد والتنوير  فلا ضوابط للاستنباط ولا ومنهج للتفسير ولا قواعد واضحة في الخاص والعام والمطلق والمقيد والاصطلاح واللغة بل حتى أن مصادرالتشريع نفسها أصحبت مشكلة عقيمة في منهجهم هذا ومن كل ما تقدم يمكن أن نقف على التالي:

1- إن التجديد اليوم لكي يكون مقبولا لا بد من أن يكون هو نفسه دين الإسلام وليس دينا جديدا يلبس لبوس الإسلام ولكي نخلص إلى هذه النتيجة فلا بد من الاستناد في الاستنباط على  مصادر أحكام الشريعة فكم من متنور اليوم يرمي بالسنة عرض الحائط فضلا عن الاجماع والقياس وغيره من مصادر التشريع وتراه يكتفي بالقرآن مصدرا وحيدا للتجديد وكل من اعتمد على القرآن فحسب في فهمه للدين فقد اتى بدين جديد لم يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- إن التجديد القائم على الخلط بين العام والخاص والمطلق والمقيد والمعاني الاصطلاحية والمعاني اللغوية أو على التفسير وفقا لفهمه للغة بدون مرجعية يرجع إليه من كتب اللغة العربية بحجة ان هذه الكتب دونت بعد نزول القرآن فهي متأثرة فيه , هو مجرد ضرب من العصارة الفكرية  الضارة غير قابلة للحياة فكيف تعطي تجديدا لأمة .

3- إن هذا الدين يسر وهو في الوقت عينه  دين تكليف فالتجديد القائم على الانحلال من تكاليف هذا الدين بحجة التيسير على الناس هو باب عريض لخروج الناس من هذا الدين فاليسر قائم في هذا الدين موجود فيه ولكن حين وجود المشقة غير المحتملة فالمشقة تجلب التيسير

4- إن هذا الدين شرف الله فيه العلماء بالمنزلة العالية والمكانة الرفيعة ورفعهم دون غيرهم من الناس ولكن المعجزات العلمية في القرآن او في سواها انما هي أمور للفت الانتباه إلى سعة علم الله وصدق رسوله الكريم وليست هي الغاية المقصودة في نفسها فلا فائدة كبرى للجهود التي تسخر للحرص على دمج كل ما يأتي به العلم في هذا القرآن او في تشريعاته.

5- إن لهذا الدين وأهله كينونة منفصلة مستقلة عن غيرهم وهم دون الناس أمة وما سواهم من الناس أمم أخرى ولكل أمه نصيب مما اكتسبوا  وهذا الاختلاف لا ينبغي أن يعني الاقتتال والكراهية بل هو اختلاف قائم على التعارف فيما بين بعضنا البعض قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } [الحجرات: 13]

6- إن الواقع  اليوم الناتج عن الفهم المتطرف للإسلام لا يعني أن الإسلام وأحكامه بحاجة إلى تغيير أو تبديل فمكمن الخطأ في الفهم نفسه لا في أحكام الدين وهذه الأحكام بمجملها محكمة لا تغيير فيها ومجال التغيير والتبديل في تلك الأحكام يختص فيما كان مبنيا على العرف والعادة  والمصلحة المرسلة أما الأحكام التي نص عليها القرآن والسنة النبوية الشريفة نصا قاطعا فهذه الأحكام لا تتغير بدعوة التجديد والتنوير.

هذه النقاط التي لاحشظتها في منهج معظم من يدعي سلوكه منهج التنوير والتجديد لهذا الدين فإذا به يأتي بدين جديد لا يشبه دين الإسلام الذي نعرف ومن ثم يتهم كافةش المسلمين بالتشدد والتعصب والتطرف ويطلب منهم أن ينضموا إلى زمرة المهللين لما يكتب وإلا فهم الظلاميون الذين لا يمكن لعقولهم المتحجرة أن تتقبل فكرة التعايش مع العصر وكأن التعايش مع العصر يتطلب منا ان نبدل ديننا كما نبدل ثيابنا التي نرتدي فلكل مناسبة ثوب ولكل زمان دين !





الإسلام بين النظرية والتطبيق الخاطئ

18 05 2014

جاء دين الإسلام صافياً صفاء الفطرة البشرية التي فطر الله سبحانه وتعالى عليها الخليقة, فكان الدين الحق الصالح لكل زمان ومكان. ولكننا اليوم وحين أردنا أن نطبق شرع الله فينا _ بعد أن انقطعنا عنه في تعاملاتنا لمدة طويلة تعود إلى ما قبل فترة الاستعمار الفرنسي وما تلاه من استعمار محلي _ اصطدمنا بوجود فجوة كبيرة بين الدين والقائمين على تطبيق الدين والمجتمع.

ومصدر المشكلة في رأيي تكمن في العنصرين الأخيرين أي القائمين اليوم على تطبيق هذا الدين, والمجتمع . أما الدين فهو ثابت واضح المعالم ولذلك دعونا نقف قليلا عند هذين العنصرين:

المجتمع: إن مجتمعاً غرب عن الدين منذ إسقاط الخلافة الإسلامية (1923م) وعمد إلى تعميده في زوايا العلمانية هو مجتمع جاهلي, وإن تطورت فيه أدوات الحضارة , فالحضارة هي اعتناق المجتمع لمبدأ يتوافق مع جذوره التاريخية وهويته الحقيقة ليتحقق فيه استغلال الوقت في إنتاجية متواصلة لبلوغ ذروة الحضارة في شتى المجالات وهو ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة “الإحسان” حين قال : إن الله كتب الإحسان على كل شيء. وهذا ما غيب عنه المجتمع قسراً في الفترة الماضية فوضع المجتمع في حيز والمبادئ التي تتناسب معه في حيز آخر وألبس المجتمع مبادئ مرقعة تم لمّ شتاتها من شتى أصقاع الأرض وكل ذلك بقصد وسوء نية حتى أثمرت هذه الطريقة جيلاً عجيباً فهو مسلم في الأرواق الرسمية فقط, أما في الحياة العملية فهو يتبع مذاهب عدة هي نفس المبادئ المرقعة التي ربي عليها من تقديس المصلحة الخاصة والسعي وراء تحقيقها ولو داس في سبيل ذلك على أبناء بلده أو حتى على إخوته, احتقار الدين والنظر إليه على أنه البلاء الذي لا خلاص منه إلا باستئصاله, الرغبة العمياء في تقليد كل ما هو وافد من ثقافات, تقديس الأشخاص بدلاً من الالتفاف حول الأفكار وهي الجاهلية بعينها إلا أن الأصنام فيها من لحم ودم.

إن متجمعاً يعاني من كل تلك الأمراض التي ما هي إلا غيض من فيض عيوبه يحتاج إلى إصلاح وتأسيس انطلاقاً من التعليم والتربية للوصول إلى المجتمع الإسلامي الحق. ولا بد في هذا المجتمع من التدرج في تطبيق الأحكام فإقامة الشعائر الإسلامية الأساسية واستعلان الشعائر كافي في البداية ليكون هذا المجتمع مجتمعاً إسلامياً قائماً على ما يرضي الله سبحانه وتعالى فتطبق أحكام الجنايات والمعاملات في الأموال والنفوس ويترك هامش من الحرية للناس ويعمل على تأسيس الجيل بالتربية والتعليم حتى يلتزم بأوامر الله سبحانه وتعالى من تلقاء نفسه في الأمور التي تسمى اليوم حريات شخصية مثل الحجاب والدخان وغيرها من الأمور التي إن حاولنا تغييرها بالقوة فسنكون كمن يحضر قطعة من القماش ليستر فيها جرحاً متقيحاَ وستر ذلك الجرح ليس بالحل لأنه سيبقى موجوداً بل وسيصبح أسوء من ذي قبل نتيجة ستره . ولكن الحل يمكن في وصف الدواء المناسب ليتماثل إلى الشفاء من تلقاء نفسه.

 

القائمون على تطبيق الدين: إن من يسعى اليوم إلى تطبيق الدين الإسلامي على أرض الواقع يغيب عن ناظريه ما تقدم من حال المجتمع أو يحضر أمامه ولكن لا يعير ذلك الواقع أهمية, ويسعى إلى إيجاد الإسلام عن طريق القوة في المجتمع وهو عجز ما بعده عجز فالرسول صلى الله عليه وسلم استمر في دعوته في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله ويأسس بذور المجتمع حتى نضجت الفكرة لدى الصحابة رضوان الله عليهم وحتى حينما انتقل إلى المدينة المنورة أقر الناس على ما هم عليه ومن ثم بدأ يغير في طباعهم وعاداتهم بالتعليم والمواقف المختلفة حتى نجده في صلح الحديبية _ وهو من الأحداث المتأخرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم _ يأمر الصحابة بالتحلل فيقف الصحابة من هول الموقف مدهوشين ولا ينفذون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقدم لهم الطريقة المثلى لامتثال الأمر الذي صدر عنه وهو أن يبدأ بما أمر بنفسه. لم يعالج النبي صلى الله عليه وسلم امتناع الصحابة عن تنفيذ أمره بالتحلل بالتفسيق والتبديع والتكفير بل نظر إلى القضية بطريقة مختلفة تماماً لم ينظر إلى أنهم لم ينفذوا الأمر ولكن نظر إلى جهة ثانية وهي ” كيف يمكن أن ينفذوا الأمر” وهذا هو ما نحتاجه اليوم حقاً كيف يمكن أن ينفذ المجتمع الإسلامي الدين الإسلامي في تعاملاته من تلقاء نفسه بدون أن يأتي هذا التطبيق من سلطة خارجية, فالحضارة كما سبق هي أن يلتف المجتمع حول المبدأ لا أن تجمع الناس بالعصا على ذلك المبدأ وإلا فسيغيب عنصر الرقابة الذاتية والإنتاجية ويكون لديك مجتمع متأسلم فاشل في شتى المجالات . فمهمة القائمين على تطبيق الدين اليوم تكمن في تقديم الطريقة المثلى لتطبيق هذا الدين للناس بدون إجبارهم على ذلك وبذلك يكونوا حققوا الغاية المطلوبة منهم وما سوى ذلك فهو خبط عشواء وضياع للوقت وإن استطاعوا أن يفرضوا جو الإسلام بالقوة وفي المظاهر العامة للمجتمع فلن يستطيعوا أن يخفوا تلك الأمراض التي سوف تنتشر في الخفاء وتنموا بصورة مخيفة وتستفحل وتنتظر ادنى فرصة من فرص الضعف أو التراخي لتطيح بكل شيء قد تم بناءه لأنه من الأصل قد أسس بنيانه على شفا جرف هاو فانهار به , فليكن التأسيس على التقوى وهي مراقبة الله سبحانه وتعالى الذاتية فهو ما يحتاجه المجتمع اليوم لا أن يأتيه الالتزام من سلطة مجبرة فهذا آخر ما نحتاجه اليوم “أفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّه وَرِضْوَان خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانه عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ”





قصة الجرة

28 03 2010

يحكى أنّه كان هناك امرأة عجوز صينية كبيرة في السن، تملك جرتين كبيرتين لنقل الماء، وكانت تضع كل جرة على طرف وتد خشبي قوي وطويل، ترفع الوتد وتضعه على عنقها فتحمل بذلك الجرتين معاً.

إحدى الجرتين فيها شرخ والأخرى سليمة.

العجوز تملأ الجرتين معاً من جدول الماء، وفي نهاية الدرب الطويل الممتد من جدول الماء إلى البيت تصل الجرة المشروخة وقد فرغت من نصفها.

ولشهور كاملة كانت هذه العملية مستمرة في نقل الماء، وهذه السيدة تصل إلى بيتها مع جرة مليئة وأخرى نصف فارغة.

الجرة السليمة  كانت فخورة بنفسها.. لكن الجرة المشروخة المسكينة كانت تخجل من عيبها وتشعر بالتعاسة لأنّها لا يمكنها أن تنقل إلا نصف الماء كل يوم لهذه السيدة الطيبة.

بعد فترة شعرت الجرة المشروخة أنّها جرة فاشلة تماماً، فقررت أنْ تتحدث لصاحبتها، قالت لها:

– إني خجلة من نفسي، لأنّ هذا الشرخ في جانبي يسرب الماء خارجاً على طول طريق العودة إلى منزلك، وأنت تتعبين بحملي.. ولا فائدة مني.. أرجو أن تتخلصي مني وتتحصلي على جرة جديدة..

ابتسمت العجوز وقالت:

هل لاحظت الأزهار التي نبتت على جانب واحد  من الطريق وليس على الجانب الآخر للجرة السليمة.

وأضافت: كنت دائماً أعرف عيبك هذا، فقمت بنثر بذور أزهار على جانبك من الطريق، وأنت كل يوم في طريق العودة إلى البيت تقومين  بسقايتها دون أن تشعري بذلك، والآن أصبح لدي أزهار جميلة. ومن دون الأزهار التي رويتها بمائك كيف يمكن لي أن أزين بيتي بالأزهار؟! ومن دونك أيتها الجرة المشروخة ما كان لدي هذه الأزهار الجميلة.

إن جميع الأشياء من حولنا مهما بدت لا قيمة لها وأنها عاجزة عن منحنا ما نريد منها فإنها قادرة في الوقت نفسه على أن تمنحنا أشياء أخرى لا نستطيع رؤيتها لأن محاولتنا أن نرى ما نريد أن نراه فحسب يحجب عنا تلك الأشياء. لذلك لا تستخف أبداً بأي شيء مما حولك , وحاول أن توظفه ليعطيك نتيجة إيجابية , وحاول دائما أن تجد الوجه الإيجابي لا الوجه السلبي في الأمور فتحفظ لكل شيء مكانته ودوره ولا تبخس حقه.





الألبوم الديني للمطربة …

19 03 2010
بين الفينة والآخرى نرى ألبوما غنائيا يطرح لهذه الفنانة أو ذلك الفنان تحت مسمى ألبوم ديني, ونرى ردة الفعل على ذلك الألبوم من العديد من المسلمين تتفاوت بين الغالبية العظمى التي نراها تتلقف هذا الألبوم لتشيد به وتعتبره خطوة على التوبة وبين من ينظر إلى هذا الألبوم على أنه خطوة من التنويع في الغناء إلا إني وحيال تلك الألبومات التي تطرح انظر إلى الأمور من خلال النقاط التالية :

(عقدة النقص)
لا نزال في العالم الإسلامي نعاني من عقدة النقص وعقدة انتقاص الذات واعتقادنا بهشاشة موقفنا وهشاشة الأرضية التي يقوم عليها إسلامنا وأن هذا الدين يتضعضع فهو بحاجة لكل من نعق ونعب عليه او ضده أو خالف تعاليمه ثم بدرت بادرة ما تجاه هذا الدين فنسعى لكي نتلقفه بكل ما حوى في داخله… نأخذه بطالحه وصالحه ولا نمحص في حقيقة المقال ولا في حقيقة المقام وبعد أن نأخذه نبدأ نشيد بهذا الناعق أو الناعب وأنه سيكون هو باب الهداية لغيره من الملايين التي كانت تنتظر منه نعقة أخرى في الاتجاه المعاكس للاتجاه الذي كان يسلكه كي يسيرون خلفه بحسب غريزة القطيع التي نحسب انها تسود في العالم كما نلمسها لدينا للأسف .. تكلموا مسبقا عن إسلام مايكل جاكسون وكيف ان العالم سوف يتراكض يمنة ويسرى لكي يسلك سلوكه وكان الخبر إشاعة ولكنا كمسلمين لا بد لنا من الفرح بكل شيء ودون مبرر او حتى دون وقوف على حقيقة الأمر .. تكلموا عن إسلام بيل غيتس وكيف أن العالم سيتبع لهذا الشخص ويحذو حذوه .. تكلموا عن تامر حسني وانا مش عارف اتغير وكيف ان الناس ستتغير من بعده … تكلمتم عن وائل جسار وكيف أن الناس سوف تذرف الدموع بمجرد سماع الألبوم وستعود للدين لهذه الكلمات العطرة.

(غناء أم إنشاد)

تتعدد المسميات والأسماء للأشياء في عصر غدا فيه كل شيء يختلط بكل شيء إذ أن المفاهيم أصبحت عبارة عن هيولة يمكن لها أن تلبس أي اسم لتأخذ الشكل الذي ينبغي أن يدل عليه الاسم ولو كان الجوهر لا يمكن أن يلبس ذلك العرض ..
غناء او إنشاد لا فارق فقد اصبح الموضوع عبارة عن تنويع في التسويق وكما أننا جميعنا ننوع في نوع لباسنا فيوما نلبس (قميص) ويوما آخر نلبس (بلوزة) ويوما آخر نرتدي (جلباب) ولكن مهما ارتدينا ومهما نوعنا من لباسنا تبقى ذواتنا هي نفسها الذوات التي تحت ذلك اللباس ولم يكن يوما اللباس يغير النفس فليس صاحب الجلباب بازكى من صاحب القميص ولا العكس صحيح وكل حسب ذاته التي تبقى هي نفسها تلك الذات التي تتغير فوقها الملابس فحسب وليس اكثر من ذلك ..

(فائدة تجنى)

في العالم الذي نحاول ان نتلمس خطانا فيه لخدمة الإسلام تتعدد الوسائل لخدمة هذا الإسلام ولكن للأسف لم نعد ندرك منها إلا الهش لأننا في الأصل كما قدمت نعتبر أنفسنا في موضع هش …
لم يعد هناك سوى الغناء والإنشاد لخدمة هذا الدين ولم يعد هناك إلا الفضائيات لتلقي هذا الدين لا أدري لم انمسح من عقولنا شيء يسمى كتاب او حتى مقال او حتى صحيفة ..
الدين لم يعد يخدم إلا بمغني يخرج علينا ليتقول بعض كلمات تصب في أذاننا ولا تتجاوزها وبمجرد ان نتجاوز تلك الاغنية نعود لنسمع ما يحلو لنا هنا او هناك .. من منا جميعا يعلم ما هو آخر كتاب إسلامي تم طرحه في المكتبات أليس غريبا ان نشيد موضوعا كاملا من صفحات طاول لكلمات قد تكون مكررة كمعنى وأن لا نبحث عما يفيدنا علميا حقا ؟
(فكر منفتح أم فكر متفلت أم لا فكر)


مع التيار _ وطبعا لا بد ان نكون مع التيار لأن مفهوم الأمعة هو المفهوم السائد _ انطلقنا نقسم أنفسنا إلى أصحاب فكر منفتح وصاحب فكر منغلق وصاحب فكر يميني وصاحب فكر رديكالي وصاحب وصاحب وصرنا جميعا من هواة تقسيم الذات إلى مجموعات وبمجرد التصنيف يتم التعامل ومن الغريب ان لا نناقش فكرة بل ننتقل من نقاش الفكرة إلى تصنيف صاحب الفكرة وليس هذا بالمطلوب اطلاقا وليس هذا هو الغاية
(شرف وجمال صوت)

هذا المطرب او تلك الفنانة التي طرحت او طرح ألبوما ديناً هو صاحب فن ملتزم وكما قلت سابقا فإننا في عصر المسميات الفضفاضة حيث يمكننا ان نطلق أي مسمى على اي شيء بدون قيد او شرط يكفينا ان نقول لمجرد القول دون ان نحاكم ذلك القول إلى عقولنا لا أدري اين الفن المتلزم والهادف في العديد من الفيديو كليب …. ربما يكونوا قد اصبوا إن قصدوا المقارنة بين الخلاعة الكاملة والخلاعة الجزئية حينها يكون افضل حالا ولكن هذا لا يعني بكل الاحوال ان الخلاعة الجزئية هي التزام !!


(من لمن ولما ؟ )
من الجميل في هذا العصر ان جميعنا يستطيع القيام بعمل الجميع فالعامل الذي يمتهن البناء يعتقد انه يمكنه ان يقوم بعمل المهندس كاملا فقط لو كان لديه المال الكافي ليبدأ المشروع الأول في حياته المهنية , ومن تعلم ضرب الأبرة اباً عن جد يعتقد ان بامكانه ممارسة الطب فقط لولا التشديد من قبل الدولة وطلبها لشيء يسمى الشهادة وهو شيء برأيه طبعا كمالي العديد من حامليه لا يستحقون هذه المهنة ومن الاجمل اننا جميعا نعتقد ان الجميع مؤهل لخدمة هذا الدين بكل ما في هذا الشخص من سلبيات ولو كان حاملا لتلك السلبيات ولم يتخلى عنها ومن الأجمل ان نرى حفلا راقصا للراقصة الفلانية لجمع التبرعات لأطفال الميتم .. فبكل بساطة نحن نستطيع ان نخلق مزيجا مشوهاً بجدارة لا ينفسنا فيها أي احد فكيف يمكن للغاية النبيلة ان تجتمع مع الغاية الدنيئة وكيف لمن عمل على حرف الشباب ولا يزال ان يعمل على هدايتهم في آن واحد. من أبسط قوانين المنطق ان النقيضين لا يجتمعان ولكن لا نزال نعاني من نقص في المنطق والمحاكمة لدينا ومن الجميل ان نتذكر أخيراً أن فاقد الشيء لا يعطيه وما خرج من الفم لم يتجاوز الأذن وما خرج من القلب استقر فيه ..





التقوى

19 10 2009

إن لكل شيء في هذا الوجود أركان يقوم عليها وينبني فوقها , فالأعمدة التي تنشئ في البناء هي أساسه وأركانه والمحرك في السيارة أساس حركتها . وهذه القاعدة واضحة وبسيطة ونتبعها في فهم أي شيء نراه. فمن أجل فهم أي شيء لا بد من التعرف على أركانه والأسس التي يقوم عليها ولكن هل سألنا أنفسنا يوما عن أركان ديننا ؟ !
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريص على هذه النقطة فبين لنا أركان الدين الذي جاء به فأخبرنا بأنها ثلاثة أركان هي الإيمان والإسلام والإحسان. فالإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر, والإسلام هو شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً, أما الإحسان فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
فأركان الإسلام إذاً ثلاثة :
1- عملي هو الإسلام 2- اعتقادي هو الإيمان 3- أسلوب تطبيق للعمل والاعتقاد هو الإحسان
تعالوا الآن لنتلمس واقعنا وحياتنا التي نحياها اليوم لنرى ماذا نجد من عناصر الدين الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. إننا اليوم نجد الإيمان ونجد الإسلام ولكن قلما نجد الإحسان فتعالوا معا نتعرف على الإحسان
إن الإحسان الذي تكلم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه الإحسان هو التقوى التي نجدها تتكرر في كتاب الله عز وجل فالتقوى في أبسط معانيها هي أن نعلم بأن الله سبحانه وتعالى يرانا في سرنا وفي جهرنا, يرانا حين نكون في العلن ويرنا حين نكون في خلوتنا. تعالوا لنتعرف على التقوى أكثر من خلال صور نستعرضها معا :
1- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى الليالي يتفقد رعيته كعادته فسمع أماً تأمر ابنتها بخلط اللبن بالماء _ أي بأن تخلط الحليب بالماء فيصبح أكثر _ طمعاً في زيادة الربح فإذا بالبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين فقالت لها الأم أين نحن من أمير المؤمنين أنه لا يرانا . فردت البنت قائلة: إن لم يكن أمير المؤمنين يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا.
2- قال نافع خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في بعض نواحي المدينة فوضعوا سفرة , فمر بهم راع فقال له عبد الله هلم يا راعي _ أي شاركنا طعامنا_ فقال الراعي : إني صائم
قال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره في هذا الشعاب
قال الراعي : أبادر أيامي
قال ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة ونعطيك من لحمها ما تفطر عليه ؟
قال الراعي : أنها لمولاي
قال ابن عمر: فما عسى أن تقول لمولاك إن قلت أكلها الذئب؟
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء يقول فأين الله ؟ فبعث ابن عمر إلى سيد الراعي فاشترى منه الغنم والراعي فاعتق الراعي ووهب له الغنم.
3- اشترى رجل من رجل عقاراً له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب , فقال الذي اشترى العقار للذي باعه العقار : خذ ذهبك مني , فإنما اشتريت من الأرض ولم اشتري الذهب ! وقال الذي باعه : إنما بعتك الأرض وما فيها ! فقد حملت مراقبة الله سبحانه وتعالى كلا الرجلين على رفض مال قد يكون لآخر حق فيه
تلك هي التقوى كمعنى نعيشه ونطبقه وإن أردنا أن نعرفها كمصطلح وعلم فنقول: حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظورات وترك بعض المباحات تورعاً.

إن قضية الإسلام الأولى هي التقوى ولذلك ابتدأ بها النبي خطبته الأولى في المدينة المنورة في مسجد قباء فالتقوى أهم ما في الدين وأهم ما يمكن أن يوصي به مسلم مسلماً لهذا قال تعالى ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا () وتأمل في القرآن كيف أن كل الأنبياء عندما أمروا قومهم بالتوحيد قالوا ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) عبارة تتكرر على لسان كل نبي. العلاقة بين الله تعالى وعباده هي التقوى. فكيف نتقي الله عز وجل؟
إن كل حركة من حركاتك في اليوم والليلة داخلة تحت (واتقوا الله) فيجب أن تكون منذ لحظة استيقاظك إلى لحظة نومك مرتبط بتقوى الله. وأن تتقي الله أي أن تجعل بينك وبين محارمه وقاية
إن التقوى أسلوب حياة فالتقوى توجد في جميع مجالات الحياة وحيث وجد التصرف الإنساني:
– فالطالب في مدرسته عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فإن استطاع أن يغافل مدرسه ويغش في امتحانه فهو لن يستطيع أن يفلت من رقابة الله سبحانه وتعالى فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه فيمتنع عن الغش لكي لا يقع في ما حرم الله
– المدرس عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فعليه أن يعطي درسه بحيث يصل إلى جميع الطلاب ويكون في المقام الذي يفترض أن يوجد فيه فيكون المربي والمدرس
– الموظف في مكان عمله إن استطاع أن يؤمن الظروف التي تكفل له بعده عن عين الرقيب وقبل على نفسه الرشوة فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه ويعلم بفعله فعليه أن يمتنع عن الرشوة لكي يجعل بين وبين ما حرم الله وقاية
– التاجر إن استطاع أن يغش في بضاعته ويخدع الزبون فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعلته وأنه لن يرضى عنها فعليه أن يجعل وقاية بينه وبين محارمه
– الطبيب إن علم أن مريضه ليس بحاجة لعمل جراحي ولكنه اقنع ذلك المريض بأنه بحاجة لذلك العمل لكي يكسب من ورائه المال فعليه أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعله وأنه لن يرضى به فعليه أن يمتنع عن ذلك الفعل كي يضع وقاية بينه وبين ما حرم الله
وهكذا نستطيع أن نعمم التقوى على جميع مجالات الحياة وهنا نستطيع أن نعود إلى البداية لنقول : إن قلنا بأن التقوى هي الإحسان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ)) فالتقوى يجب ان تكون موجودة في كل مجالات حياتنا كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك نتقى الله عز وجل حق تقاته وبذلك نوجد الحل الوحيد لمشاكل مجتمعنا فالتقوى تحمل الإنسان المسلم على العمل بكافة طاقته الإنتاجية _ في أي مجال كان عمله _ فيستثمر تلك الطاقة في بناء نفسه وبناء ما حوله فالإنسان المسلم المتقي لا يقبل أن يقوم بأنصاف الأعمال فإن كان طبيبا كان طبيبا متميزا ولا مكان لوجود طبيب مسلم متقي ولكنه نصف طبيب فهو ليس بالطبيب المتقن الجيد حقا ولا مكان لتلميذ مسلم متقي ولكنه متراخ في درسته فتقوى الله تفرض عليه أن يقبل على دراسته بكليته يقول الله سبحانه وتعالى ((إنما يتقبل الله من المتقين )) فلكي يتقبل عملك أي كان ذلك العمل ويكون عبادة يجب أن تراعي تقوى الله فيه فتعطي في ذلك العمل كليتك وتبذل قصارى جهدك لتتميز فيه وتراقب الله فيه فيتقبل الله سبحانه وتعالى عملك كما أخبر لأنك كنت فيه من المتقين .

كيف أكون متقيا لله عز وجل؟ !

لا شك بان تقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبة الله في السر والعلانية في كل حركة وسكنة ليس بالأمر البسيط لذلك فإن التقوى تحتاج إلى أمور عملية لنصل إليها وتلك الأمور يمكن إجمالها بالتالي:
1- معاهدة النفس : إن الإنسان يتكون من عقل وجسد ففي كثير من الأحيان يدور في داخلنا حديث خفي حيث نلاحظ وجود طرفين : طرف يطلب وطرف يمانع فعلى سبيل المثال إذا تقاعس أحدنا عن الصلاة يجد في داخله طرفا يأمره بالجلوس عن الصلاة وعدم القيام لها , وطرف آخر يأمره بالقيام لها . فهذين الطرفين هما العقل والجسد أو يمكن أن نطلق عليهما النفس الآمرة بالسوء التي تأمر الإنسان بالمعاصي وتطلب الملذات والنفس اللوامة التي تلوم الإنسان على المعاصي وقد قال تعالى : ((لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)) وقال تعالى : ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ))
إذا بعد أن عرفنا أن في داخلنا عقل ونفس , عقل يأمرنا بالطاعة لأنه يدرك أن العاقبة والجزاء الحسن للمتقين الطائعين, ونفس تأمرنا بالملذات ولو كانت بالمعاصي لأنها جبلت على حب الشهوات , يجب علينا أن في بداية كل نهار أن نجلس مع لدقائق معدودة نأخذ فيها عهد على أنفسنا بأن لا تعصي الله سبحانه وتعالى. وتلك المعاهدة يجب أن تكون تفصيلية فنعاهد النفس بأن لا يقوم أي عضو من أعضائنا وهي كل من ((العين والأذن واللسان واليد والرجل )) بمعصية من المعاصي فلا العين تنظر إلى محرم ولا الأذن تسمع لمحرم ولا اللسان يلفظ بشتم أو سباب أو غيبة أو نميمة , واليد لن تمتد لمحرم ولن تعتدي أو تخرب , والرجل لا تمشي لمعصية من المعاصي بل تمشي لطاعة الله وحسب وإن أردنا ان نعطي مثالا لحالة الإنسان مع نفسه تعالوا لنتخيل معا حال الإنسان الذي يملك المال ويريد مشاركة رجل آخر يتاجر له بذلك المال, فصاحب المال يأخذ العهود على الرجل العامل ويطلب منه القيام بأمور محددة كأن لا يتاجر بهذا المال إلا في هذه البلدة وأن يحرص على المال اشد الحرص ومن بعد ذلك يحاسبه على ما قد فعل بذلك المال وهذه هي حال الإنسان المسلم مع نفسه فالإنسان المسلم رأسماله هو أنفاسه, وهو رأسمال نفيس لا مثيل له ولا يمكن تعويضه فالدقيقة التي تمضي , تمضي دون رجوع. فحرى بالنفس البشرية إلا تضيع ذلك الرأسمال إلا فيما هو رابح وكل شيء سوى طاعة الله سبحانه وتعالى هو تجارة خاسرة لذلك ينبغي أن نأخذ العهود على أنفسنا بأن تعمل بأمانة فيما قد خولناها العمل فيه وهو أنفاس العمر.

2- مراقبة النفس : بعد أن نعاهد أنفسنا على طاعة الله سبحانه وتعالى والتزام كل جوارحنا بتلك الطاعة يتبقى لنا مراقبة التزام النفس بتلك المعاهدة فنحن إن غفلنا عن النفس عادت للمعصية ولنتمكن من ضبط النفس ومراقبتها بدقة سنضع جدولا لمراقبة النفس نفصل فيه الأيام والجوارح التي يجب أن تنضبط وفي كل يوم نحاسب تلك الجوارح على ما فعلت فأما أنها قد التزمت أو قصرت

3- المحاسبة: في نهاية كل يوم نلقي نظرة على الجدول الذي قمنا بتصميمه لنعلم مدى التزام أنفسنا بما قد تعاهدنا عليه فإن وجدنا أن النفس قد التزمت شكرنا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة وإن رأينا أنها قد تقاعست وقصرت حاولنا تلافي ذلك التقصير.
4- المعاقبة: إن تكرر من النفس التقصير والتقاعس وجب علينا معاقبتها ولكن كيف يعاقب الإنسان نفسه ؟ !
قلنا بأن النفس تطلب الملذات وتتمناها وعقوبة النفس تكمن بحرمانها مما تشتهي وتريد, وعقوبة النفس تكمن فيما لا تريد فعله فالصوم يشق على النفس فهو عقوبة لها وصلاة القيام تشق على النفس فهي لها عقوبة والتصدق بالمال يشق على النفس فهو لها عقوبة.
يحكى أن أحد الصالحين مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه الغرفة! ثم أقبل على نفسه يحاسبها فقال لها: تسألين عما لا يعنيك ؟! لأعاقبنك بصوم سنة, فصامها. ويحكى أن تميم الداري نام ليلة عن التهجد فلم يصليه , فعاقب نفسه بأن قام سنة لم ينم فيها عقوبة على ترك التهجد في تلك الليلة.
ورحم الله القائل :

خل الذنوب صغيرها… وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر…ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى





لك تركووووني…. صايم ها

23 08 2009

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبين وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم لك الحمد لما بلغتنا شهرك الكريم , اللهم فكما بلغتنا إياه أجعلنا من عتقائك فيه يا رب العالمين

أقبل شهر الرحمة والمغفرة بعد طول انتظار لترتوي النفوس فيه من واحة الروحانيات التي تفيض على القلوب فتكسبها صفاء ورقة لطالما كانت بحاجتهما ..

هذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه حال أي مسلم في هذا الشهر الكريم وهذا ما يتوقع كل واحد منا أن يراه في هذا الشهر .. ولكن الواقع امر يخالف المفترض كالمعتاد ..

ففي الصباح المبكر لليوم الأول من رمضان انزل إلى الشارع وما أن اجاوز منزلي بأمتار عديدة حتى اجد أول اثار الصيام لرمضان الكرم والجود ..


شخص قد خلع قميصه وبقي مرتديا لبنطاله فحسب وهو يقفز ويحاول الوصول إلى خصمه لينال منه ويقول للناس صارخا

لك تركوووووووووووووووووووووووووني صايم ها …. !!


سبحان الله أين الصيام ؟ ! اسمع به ولا اجده حقا ولا حتى في نفسي .. ارى ملامح رمضان تتجول في الجوار ولكني لم أراه حقا .. لم أرى انعكاسه على الجوارح ولم أرى انعكاسه في صفحات الوجوه .. فالوجوه تزداد قسماتها قسوة وكأنها تعاني أمراً يفرض عليها فرضاً لا تؤديه طاعة وحباً … الجوارح تزداد نيلا من الشهوات .. فالبطن لا يكاد يشبع واليد تبطش بمن يستفزها بأي كلمة والقدم تسير إلى الخيم المرضانية .. اين معنى الصيام في كل هذا ؟ ما الذي قد اضافه الصوم لصوم من قد صام على هذه الشاكلة ؟

صدقت يا سيدي يا رسول الله إذ قلت : ( كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ )

أعاننا الله جميعا لتلمس معاني هذا الشهر الحقيقية والتوقف عن السخرية من أنفسنا






المفطرات في رمضان ( صادر عن دائرة افتاء حلب )

18 08 2009

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث هدى ورحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة 183 ويقول صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)) السنن الأربعة

فرض الله سبحانه الصوم لما له من فوائد روحية وخلقية واجتماعية وصحية . فالصيام جنة – أي وقاية بين الإنسان وبين ما يؤذي حياته الروحية والبدنية عاجلاً و آجلاً. فلله در الإسلام من دين حكيم يجمع للناس في تشريعه بين مصالح الجسد ومصالح الروح , بين خير الدنيا والآخرة.

ولهذا فإن الصيام الذي لا يحقق معناه الروحي , فلا يشعر العبد بعظمة المعبود , ولا يوصل قلبه به , والذي لا يحقق معناه الإنساني, فلا يهذب نفساً, ولا يقوم أخلاقاً , والذي لا يحقق معناه الصحي , فلا يكون حمية أو علاجاً لإسراف في طعام, أو شراب مثلاً, إنه صورة الصيام لا حقيقته والفرق كبير بين الصورة والحقيقة.

وللأسف إن واقع كثير من المسلمين الاكتفاء بالصورة, والعيب في ذلك على المسيء في صيامه لا في الصيام نفسه , قال صلى الله عليه وسلم : ((كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ)) أحمد والنسائي . وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ وَتَحَفَّظَ مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ كَفَّرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ)) أحمد وابن حبان

ونبين فيما يلي بعضاً من الأفعال التي تفطر الصائم والتي لا تفطره

المفطرات في كتاب الله عز وجل , وفي السنة الصحيحة ثلاثة, هي الأكل والشرب والجماع , فكل ما جاوز الحلق , يعد مفطراً. أما بالنسبة للأمور التالية:

1- قطرة العين لا تفطر الصائم ولو وجد طعمها في حلقه .

2- قطرة الأذن والأنف فيهما قولان : قول المتقدمين بالإفطار , وقول المتأخرين ومنهم المجمع الفقهي بمؤتمره العاشر 1418-1997 بعدم الإفطار إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ منهما إلى الحلق .

3- قرص (النيتروغليسرين) الذي يوضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية , إذا تلاشى في الفم ولم يبتلع منه شيئاً لا يفطر, وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

4- ما يدخل المهبل من إصبع طبيبة أو قابلة فاحصة بلا دواء ولا بلل لا يفطر , وإذا وُجد دواء أو بلل أفطرت وعليها القضاء دون الكفارة .

5- ما يدخل الإحليل أي مجرى البول الظاهر من قثطرة أو منظار بلا مادة ظليلة أو دواء لا يفطر, وإلا أفطر الصائم ووجب عليه القضاء دون الكفارة.

6- حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان , إذا لم يدخل شيء من ذلك إلى حلقه لا يفطر وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة .

7- الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية بجميع أنواعها لا تفطر.

8- التبرع بالدم غير مفطر .

9- غاز الأوكسجين غير مفطر.

10- غازات التخدير (البنج) غير مفطرة.

11- ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمرخيات واللصاقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيمائية غير مفطرة.

12- أخذ عينة من الدم للفحص المخبري غير مفطر .

13- إدخال قثطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب أو غيره من الأعضاء غير مفطر , ولكن ما يتبع القثطرة من وجوب تناول سوائل , فهي مفطرة وعليه القضاء حينئذ دون كفارة.

14- المضمضة وبخاخ العلاج الموضعي للفم غير مفطر إذا تجنب الابتلاع , وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

15- عملية إدخال المنظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها إذا دخل معه إلى الأحشاء دواء أو أي شيء يبقى في الأحشاء فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة .

16- عملية إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم بدون مرهم أو دواء غير مفطر.

17- عملية أخذ عينة ( خزعة ) من الكبد أو غيره من الأعضاء إذا لم يدخل دواء إلى الجوف فلا يفطر وإلا فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

18- القيء غير المتعمد غير مفطر , أما من تعمد القيء وكان ملء الفم فيفطر , وعليه القضاء دون الكفارة , وكذلك إذا أعاد بصنعه ما غلبه من القيء وكان ملء الفم فيفطر وعليه القضاء.

19- ما يدخل الشرج من حقن شرجية أو تحاميل فإنها مفطرة وعليه القضاء دون الكفارة , ويطلب أخذها بعد الإفطار إلا للضرورة فيفطر ويقضي .

20- منظار المعدة إذا دخل معه دواء فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة وإلا فلا.

21- بخاخ الربو مفطر للصائم وعليه القضاء دون الكفارة.

22- شرب الدخان بجميع وسائله وأنواعه منهي عنه وهو مفطر , ويوجب القضاء.  وأما التدخين السلبي وهو استنشاق دخان شخص آخر ؛ فإن كان بقصد فهو مفطر , وإلا فلا يفطر .

23- الاستمناء بقصد في نهار رمضان منهي عنه وهو مفطر, ويوجب القضاء.


___


نقلا عن دائرة افتاء حلب





تحميل كتب عقائد ((المذهب الأشعري ))

7 08 2009

فيما مجموعة كتب في العقيدة معظمها للمذهب الأشعري لتشغيل هذه الكتاب انتم بحاجة لتحميل الشاملة المفرغةالحجم 17 MB

تحميل الكتاب
* كتاب المواقف – الإيجي
* تبيين كذب المفتري فيما نسب للأشعري
* تلبيس إبليس لابن الجوزي
* كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل – الباقلاني
* خلق أفعال العباد – البخاري
* رسالة إلى أهل الثغر – الأشعري
* غاية المرام – الآمدي
* فضائح الباطنية – الغزالي
* قواعد العقائد – الغزالي
* لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة – الجويني أبو المعالي
* مقالات الإسلاميين – الأشعري
* الأسماء والصفات للبيهقي
* الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي
* الإنصاف للباقلاني
* نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني
* رفع الأستار  لإبطال أدلة لقائلين بفناء النار للأمير الصنعاني
* لمعة الاعتقاد للمقدسي
* شرح العقيدة الطحاوية لابن ابي العز الحنفي
* المنقذ من الضلال للغزالي
* أدلة معتقد أبي حنيفة للقاري
* موسوعة اليهود واليهودية للمسيري

اتمني لكم الفائدة





ويح المسلمين من رمضان

7 08 2009

ما عهدت الصائمين هكذا ، يقولها رمضان المقبل إلينا ويتابع ، بل عهدي بالمسلمين الصائمين أن يكونوا متقين ، والتقوى تعاون وائتلاف ، وعبادة مع إخلاص ، وعمل يُتوِّجه إحسان ، التقوى – يا أيّها الصائمون – حال وواقع وليست كلاماَ وشكليات .
لماذا تنتسبون إليّ ادعاءً وظاهراً وفي سلوككم لي تتنكرون ؟!
فكّروا ولو مرّة يا سادة أن توازنوا بين صيامكم وصيام من سلف من رجالاتكم العظماء فستجدون الهوّة سحيقة والفرق كبيراً . لقد صاموا عن الضياع والفساد والذل والكسل والهوان ، وصمتم عن الجدّ والعمل والسعي والإتقان فهل ثمة مقارنة ؟!
الصيام لديهم مدرسة وهو عندكم ملهاة ، والصيام في تصورهم معركة بين الإنسان ونزعاته وينتصر في النهاية الخير على الزيغ ، أمّا صيامكم فصراع غير متكافئ بين البطن الشديد وشهواته العارمة وبين الروح الواهية وتطلعاتها المتعبة ، والمنتصر – ابتداءً – معروف ومكشوف .
أيّها الصائمون استحضروا – من أجل التوبة من صيامٍ كرنفالي لا يقدّم ولا يُؤخّر- قيمَ رمضان القرآن الكريم وفضائل رمضان النبي العظيم ، واذكروا باستمرار : الرحمة والمغفرة والعتق من النار ، وكذلك المواساة والتعاون والحب ، ومع ذلك كله الامتناع عن الرذائل كلها صغيرها وكبيرها ، والإقبال على الخيرات جلّها ولا سيّما حسنة الدنيا التي أهملتموها فصرتم جراء ذلك طفيليين في جسم الأمة الإنسانية .
وعلى كلٍّ فأنا أبشركم بقبول التوبة وسرعة استجابة ربي وربكم إن صدقتم الدعاء وأحسنتم العمل وسددتم القول وإذ تفعلون ذلك فلن أقول إلا بشراكم بدلاً من يا ويحكم





أفعال العباد بين الأشاعرة والمعتزلة

6 08 2009

الجير والاختيار

إن أفعال العباد لم تزل موضع إشكال منذ القدم, فهي ليست وليدة اليوم أو الأمس. فقد سبق ظهورها ظهور الإسلام فتعرضت لها الأمم السابقة كما تعرض لها المفكرون المسلمون. وإذا نظرنا إلى موقف المفكرين الإسلاميين من هذه القضية رأينا مواقف عدة متناقضة, و يرجع ذلك إلى الأدلة التي بنى عليها كل من أصحاب الكلام مواقفهم. ففي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نوعان من الأدلة:

  • o الأول: يشير وبصراحة إلى ان كل ما في الكون هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وحده, وأنه لا مدخل للقدرة الإنسانية في أي شيء من الأشياء حتى أفعاله نفسها.
  • o الثاني:  يشير إلى أن للإنسان قدرة يستطيع بها ان يقوم بأفعال معينة, مما يثبت للإنسان الفعالية. وخصوصا إذا ما نظر إلى هذه القضية من جانب آخر وهو حساب الإنسان على تلك الأفعال, مما يجعل من اللازم إثبات تلك المقدرة وإلا صرنا إلى نسب الظلم لله عز وجل _تعالى الله عن ذلك علوا كبير_.

فنتيجة لهذه الأدلة المتعارضة في الظاهر, وغموض المسألة, ورد التعارض في المواقف بين المتكلمين. فتمسك معبد وغيلان بالنصوص التي تشير لحرية الإنسان وقدرته, وتابعهم على ذلك المعتزلة. وفي المقابل نجد الجهم بن صفوان قد تمسك بالأدلة التي تنفي قدرة الإنسان مطلقا وقد جاء مذهب الأشعري قريب من هذا الموقف حتى سمي كسبه بالجبر الخفي وفيما يلي نفصل قول المعتزلة والأشعري على حد سواء.

فقد ذهب المعتزلة إلى أن الإنسان خالق  لفعله بمعنى انه يوجده بقدرته وإرادته مستقلا بذلك عن القدرة والإرادة الإلهية فالله سبحانه وتعالى لا يريد من العبد المعاصي ومع ذلك فهي تقع من العبد بإرادته وحده وهكذا يمكن على حسب قولهم وقوع ما لايريده الله سبحانه وتعالى في ملكوته وقد انطلق المعتزلة في قولهم هذا من ان الله سبحانه وتعالى حكيم ولا يصح أن يفعل عبثا, وخلقه للعالم بلا غرض ولا حكمة نوع من العبث لا يجوز عليه. بل  إن “إرادته لاختراع الخلق إنما حسنت لأنها إرادة لخلقهم لينفعهم أو إرادة لخلق ما ينفع به, أو إرادة لخلق الشيء للأمرين جميعا”.([1]) فالحكمة من خلق العالم في رأي المعتزلة هي إيصال النفع والمنفعة لمن في هذا العالم ولما كان الإنسان هو أكرم من قد خلقه الله عز وجل _ ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدم ﴾[الإسراء:70] _ على ظهر الأرض فأن النفع المقصود إيصاله لهذا الإنسان إنما هو التكليف. لأن التكليف في نظر المعتزلة إنما هو نوع من المنفعة التي يعرض الله سبحانه وتعالى الإنسان لها وإن لم يستطع الإنسان من القيام بأفعاله مستقلا عن الله سبحانه وتعالى لم يكن هناك للتكليف معنى على الإطلاق ويكون الفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى ويكون ثوابه أو عقابه للعباد على شيء لم يفعلوه هم.

وقد استدلوا من القرآن الكريم بآيات كثيرة جدا مبثوثة في مواضع متفرقة ولذلك فقد قسمتها إلى أنواع يندرح تحت كل نوع عدد معين من الآيات وأكتفيت بذكر أمثلة على هذا النوع:

1- عموم النصوص التي تثبت للإنسان الإرادة الحرة كقوله تعالى : :﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[الإنسان:29]وقوله:﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾[الأعراف:19]

2- الآيات التي تثبت  فعل الخلق للإنسان :﴿وتَخْلقُون إِفْكاً﴾[العنكبوت:17] وقوله تعالى:﴿أنِّي أَخْلُق لكم من الطين﴾[آل عمران:49]

3- عموم الآيات التي تشير إلى أنه سبحانه وتعالى لا يريد المعاصي ومنها قوله تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56] وقوله تعالى:﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[الأعراف:28] فقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يريد المعاصي من العباد وأن من وقعت منه المعصية أنما قد وقعت بخلقه لا بخلق الله سبحانه وتعالى لها

4- عموم الآيات التي تنص على أن خلق الله سبحانه وتعالى يخلو عن النقائص ومنها قوله تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾[الملك:3] وقوله عز وجل: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[السجدة:7] فقد أخبر سبحانه وتعالى أن لا تفاوت في خلقه, وأن أفعاله التي خلقها جميعها حسنة. ومن المشاهد أن أفعال العباد تتضمن التفاوت, والخلل وكذلك فأن من أفعالهم القبيح. مما يدل على أن تلك الأفعال إنما هي من العباد أنفسهم, لا من خلق الله عز وجل.

5- عموم النصوص التي تثبت للإنسان الاختيار والقدرة على الفعل, مما يشعر بأن الإنسان قادر على خلق فعله, وإيجاده مستقلا عنه سبحانه وتعالى. ومن تلك النصوص قوله تعالى:﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً[الإسراء:94] وقوله تعالى:﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم

6- عموم الآيات التي تنسب المعاصي والقبيح من الأفعال إلى العباد, أو إلى الشيطان, مما يدل على وقوعها من العباد أنفسهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[القصص:15] ثم قال الله تعالى على لسان موسى بعد أن قام بهذا الفعل﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾[القصص:16] فلو كان الفعل من الله لما نسب فعل الظلم إلى نفسه, إذ أنه سيكون مجبرا على هذا الفعل ولا اختيار له.  ومن ذلك أيضا قوله تعالى عن يونس عليه السلام: ﴿ِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء:87]


وفي مقابل مذهب المعتزلة نجد مذهب الأشعري رحمه الله الذي كان أحد المعتزلة ثم رجع عن مذهبهم وأعلن انتهاجه نهجا جديدا حيث ذهب إلى أن أخص صفة لله سبحانه وتعالى هي الخلق ولا يشاركه في هذه الصفة مخلوق فهي صفة للخالق وحسب. أما الإنسان فإنه يقدر على الكسب ولا يقدر على الفعل ولهذا لا يصح تسمية الإنسان فاعلا وإنما يطلق عليه لفظ كاسب وقد حاول الأشعري شرح نظريته بالكسب حيث بين أن الفعل الإنساني يتوقف على أمرين الأول الإرادة والثاني القدرة

فحين يريد الإنسان وقوع فعلا ما على وجه ما ويجزم بإراته على هذا النحو تتجه قدرته إلى إيجاد الفعل وقدرة الإنسان قدرة قادرة على الاستقلال بإيقاع الفعل إلا أن هذه القدرة حيتما تقارب من إيقاع الفعل يصرفها الله سبحانه وتعالى عن إيجاده ويوجده هو سبحانه وتعالى لأن الخلق صفته وليس لأحد غيره.

وقد انتقد الأشعري لقوله بقدرة لا تأثير لها مما يعني أن الإنسان لا يزال مجبرا ويمكن ان نتفهم ان هذا نوع من النظرة القاصرة بعض الشيء لأن الأشعري لم يعلق الفعل الإنساني على القدرة غير المؤثرة وحسب بل علقها أيضا على الإرادة التي تخصص فعلا من بين الأفعال عامة وتزيد هذا التخصيص بتخصيصه على صفة معينة كذلك .

وقد ذهب الأشعري كنتيجة منطقية لما تقدم إن إرادة العبد لا تخالف إرادة الله سبحانه وتعالى ففي هذا الكون لا يكون إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى

وقد استدل الاشعري كذلك بعدد كبير من النصوص يدخل في نطاقها عدد من النصوص التي استدل بها المعتزلة ولكن يختلف توظيف الدليل ما بين المعتزلة وما بين الأشعري فالمعتزلة يوظفه للخلق والاشعري يوظفه للكسب  واهم ما انفرد به الاشعري من الأدلة لتثبت معنى الكسب :

1- إن الله سبحانه وتعالى قد قال ﴿ والله خلقكم وما تعملون [الصافات :96] وقال أيضا ﴿ جزاء بما كانوا يعملون[الواقعة : 24] فلما كان الجزاء واقعا عليهم, واستحال أن يكونوا هم الخالقين, ثبت أن لهم مدخلا في أفعالهم وهو الكسب

2- أن الله سبحانه وتعالى قد سمى قدرة العبد استطاعة :﴿ واعدوا لهم ما استطعتم من قوة[الأنفال::60] وكذلك في قوله :﴿ من استطاع إليه سبيلا [آل عمران:97] وقوله : ﴿ لو استطعنا لخرجنا معكم[التوبة: 42] أما قدرة الله سبحانه وتعالى فلا تسمي بالاستطاعة وذلك لأن التوقيف لم يرد بذلك  وأهل اللغة لا يفرقون بين المعنيين.

3- إن الله سبحانه وتعالى قد سمى العبد كاسبا في العديد من الآيات: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) وقوله (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقوله (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) وقوله (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) وقد تعددت المواضع بذكر الكسب حتى بلغت سبع وخمسين موضعا في القرآن الكريم.

4- الآيات التي تبين توقف افعال الإنسان ومشيئته على مشيئة الله سبحانه وتعالى كقوله تعالى {ولوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} وقوله تعالى { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله ربنا} وقوله { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}وقوله { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }

الرأي الخاص

ومن استعراض كل من موقف الأشعري والمعتزلة نرى أن الفعل الإنساني لا بد من أن يكون واقعا بطريقة ما من الإنسان وإلا فإن الأمر والنهي والثواب والعقاب كله لن يكون له معنى ولن يكون ذلك إلا كأن اكلف مقعدا بالجري ثم اعقابه إن لم يستطع ذلك.

ولكن على ما يبدو ان كل من الاشعري والمعتزلة قد حاولوا مقاربة الصواب قدر ما استطاعوا فأصابوا في ناحية وأخطؤوا في أخرى.

فالمعتزلة أخطؤوا حين اثبتو إرادة للإنسان تخالف إرادة الله فجعلو الإنسان قادرا على مجابهة الإرداة الإلهية فقد هربوا من قولهم ((هل يعصى الله بإرادته)) فأجيبوا ((وهل يعصى الله قهرا !!)) فكان ما هربوا منه اهون مما وصلوا إليه

وكذلك الأشعري قد علق فعل الإنسان على أمر خفي على كثير من الناس فما هو هذا الكسب وما مدى تأثيره وكيف لا يكون الإنسان فاعلا وهو كاسب وكيف نفرق بين الاستطاعة والقدرة !!

وعلى ما يبدو أن التقارب بين المذهب الاعتزالي والمذهب الاشعري في المراحل التالية لعصر الأشعري قد ساعدت على حل هذه القضية وقد تجلى ذلك في موقف إمام الحرمين الجويني الاشعري المذهب. فقد ذهب إلى ان الإنسان فاعل لفعله على الحقيقة وهو يوجده بقدرته مستقلا عن الله سبحانه وتعالى ولكن هذه القدرة التي أوجد بها الإنسان فعله هي من إيجاد الله سبحانه وتعالى فيه, فالله سبحانه وتعالى قد اعطاه تلك القدرة ليوقع بها أفعاله وفي والوقت نفسه فإن إرادة الإنسان لاتخالف إرادة الله سبحانه وتعالى ولا يكون في هذا الكون إلا ما يشاءه الله سبحانه وتعالى.



[1] المغني في أبواب العدل والتوحيد. 11\127تأليف: القاضي عبد الجبار الأسد آبادي. تحقيق: محمد علي النجار, د. عبد الحليم النجار. نشر: المؤسسة المصرية العامة – القاهرة – طبعة1960.








تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ