إن لكل شيء في هذا الوجود أركان يقوم عليها وينبني فوقها , فالأعمدة التي تنشئ في البناء هي أساسه وأركانه والمحرك في السيارة أساس حركتها . وهذه القاعدة واضحة وبسيطة ونتبعها في فهم أي شيء نراه. فمن أجل فهم أي شيء لا بد من التعرف على أركانه والأسس التي يقوم عليها ولكن هل سألنا أنفسنا يوما عن أركان ديننا ؟ !
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريص على هذه النقطة فبين لنا أركان الدين الذي جاء به فأخبرنا بأنها ثلاثة أركان هي الإيمان والإسلام والإحسان. فالإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر, والإسلام هو شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً, أما الإحسان فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
فأركان الإسلام إذاً ثلاثة :
1- عملي هو الإسلام 2- اعتقادي هو الإيمان 3- أسلوب تطبيق للعمل والاعتقاد هو الإحسان
تعالوا الآن لنتلمس واقعنا وحياتنا التي نحياها اليوم لنرى ماذا نجد من عناصر الدين الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. إننا اليوم نجد الإيمان ونجد الإسلام ولكن قلما نجد الإحسان فتعالوا معا نتعرف على الإحسان
إن الإحسان الذي تكلم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه الإحسان هو التقوى التي نجدها تتكرر في كتاب الله عز وجل فالتقوى في أبسط معانيها هي أن نعلم بأن الله سبحانه وتعالى يرانا في سرنا وفي جهرنا, يرانا حين نكون في العلن ويرنا حين نكون في خلوتنا. تعالوا لنتعرف على التقوى أكثر من خلال صور نستعرضها معا :
1- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى الليالي يتفقد رعيته كعادته فسمع أماً تأمر ابنتها بخلط اللبن بالماء _ أي بأن تخلط الحليب بالماء فيصبح أكثر _ طمعاً في زيادة الربح فإذا بالبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين فقالت لها الأم أين نحن من أمير المؤمنين أنه لا يرانا . فردت البنت قائلة: إن لم يكن أمير المؤمنين يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا.
2- قال نافع خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في بعض نواحي المدينة فوضعوا سفرة , فمر بهم راع فقال له عبد الله هلم يا راعي _ أي شاركنا طعامنا_ فقال الراعي : إني صائم
قال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره في هذا الشعاب
قال الراعي : أبادر أيامي
قال ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة ونعطيك من لحمها ما تفطر عليه ؟
قال الراعي : أنها لمولاي
قال ابن عمر: فما عسى أن تقول لمولاك إن قلت أكلها الذئب؟
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء يقول فأين الله ؟ فبعث ابن عمر إلى سيد الراعي فاشترى منه الغنم والراعي فاعتق الراعي ووهب له الغنم.
3- اشترى رجل من رجل عقاراً له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب , فقال الذي اشترى العقار للذي باعه العقار : خذ ذهبك مني , فإنما اشتريت من الأرض ولم اشتري الذهب ! وقال الذي باعه : إنما بعتك الأرض وما فيها ! فقد حملت مراقبة الله سبحانه وتعالى كلا الرجلين على رفض مال قد يكون لآخر حق فيه تلك هي التقوى كمعنى نعيشه ونطبقه وإن أردنا أن نعرفها كمصطلح وعلم فنقول: حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظورات وترك بعض المباحات تورعاً.
إن قضية الإسلام الأولى هي التقوى ولذلك ابتدأ بها النبي خطبته الأولى في المدينة المنورة في مسجد قباء فالتقوى أهم ما في الدين وأهم ما يمكن أن يوصي به مسلم مسلماً لهذا قال تعالى ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا () وتأمل في القرآن كيف أن كل الأنبياء عندما أمروا قومهم بالتوحيد قالوا ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) عبارة تتكرر على لسان كل نبي. العلاقة بين الله تعالى وعباده هي التقوى. فكيف نتقي الله عز وجل؟
إن كل حركة من حركاتك في اليوم والليلة داخلة تحت (واتقوا الله) فيجب أن تكون منذ لحظة استيقاظك إلى لحظة نومك مرتبط بتقوى الله. وأن تتقي الله أي أن تجعل بينك وبين محارمه وقاية
إن التقوى أسلوب حياة فالتقوى توجد في جميع مجالات الحياة وحيث وجد التصرف الإنساني:
- فالطالب في مدرسته عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فإن استطاع أن يغافل مدرسه ويغش في امتحانه فهو لن يستطيع أن يفلت من رقابة الله سبحانه وتعالى فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه فيمتنع عن الغش لكي لا يقع في ما حرم الله
- المدرس عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فعليه أن يعطي درسه بحيث يصل إلى جميع الطلاب ويكون في المقام الذي يفترض أن يوجد فيه فيكون المربي والمدرس
- الموظف في مكان عمله إن استطاع أن يؤمن الظروف التي تكفل له بعده عن عين الرقيب وقبل على نفسه الرشوة فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه ويعلم بفعله فعليه أن يمتنع عن الرشوة لكي يجعل بين وبين ما حرم الله وقاية
- التاجر إن استطاع أن يغش في بضاعته ويخدع الزبون فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعلته وأنه لن يرضى عنها فعليه أن يجعل وقاية بينه وبين محارمه
- الطبيب إن علم أن مريضه ليس بحاجة لعمل جراحي ولكنه اقنع ذلك المريض بأنه بحاجة لذلك العمل لكي يكسب من ورائه المال فعليه أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعله وأنه لن يرضى به فعليه أن يمتنع عن ذلك الفعل كي يضع وقاية بينه وبين ما حرم الله
وهكذا نستطيع أن نعمم التقوى على جميع مجالات الحياة وهنا نستطيع أن نعود إلى البداية لنقول : إن قلنا بأن التقوى هي الإحسان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ)) فالتقوى يجب ان تكون موجودة في كل مجالات حياتنا كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك نتقى الله عز وجل حق تقاته وبذلك نوجد الحل الوحيد لمشاكل مجتمعنا فالتقوى تحمل الإنسان المسلم على العمل بكافة طاقته الإنتاجية _ في أي مجال كان عمله _ فيستثمر تلك الطاقة في بناء نفسه وبناء ما حوله فالإنسان المسلم المتقي لا يقبل أن يقوم بأنصاف الأعمال فإن كان طبيبا كان طبيبا متميزا ولا مكان لوجود طبيب مسلم متقي ولكنه نصف طبيب فهو ليس بالطبيب المتقن الجيد حقا ولا مكان لتلميذ مسلم متقي ولكنه متراخ في درسته فتقوى الله تفرض عليه أن يقبل على دراسته بكليته يقول الله سبحانه وتعالى ((إنما يتقبل الله من المتقين )) فلكي يتقبل عملك أي كان ذلك العمل ويكون عبادة يجب أن تراعي تقوى الله فيه فتعطي في ذلك العمل كليتك وتبذل قصارى جهدك لتتميز فيه وتراقب الله فيه فيتقبل الله سبحانه وتعالى عملك كما أخبر لأنك كنت فيه من المتقين .
كيف أكون متقيا لله عز وجل؟ !
لا شك بان تقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبة الله في السر والعلانية في كل حركة وسكنة ليس بالأمر البسيط لذلك فإن التقوى تحتاج إلى أمور عملية لنصل إليها وتلك الأمور يمكن إجمالها بالتالي:
1- معاهدة النفس : إن الإنسان يتكون من عقل وجسد ففي كثير من الأحيان يدور في داخلنا حديث خفي حيث نلاحظ وجود طرفين : طرف يطلب وطرف يمانع فعلى سبيل المثال إذا تقاعس أحدنا عن الصلاة يجد في داخله طرفا يأمره بالجلوس عن الصلاة وعدم القيام لها , وطرف آخر يأمره بالقيام لها . فهذين الطرفين هما العقل والجسد أو يمكن أن نطلق عليهما النفس الآمرة بالسوء التي تأمر الإنسان بالمعاصي وتطلب الملذات والنفس اللوامة التي تلوم الإنسان على المعاصي وقد قال تعالى : ((لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)) وقال تعالى : ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ))
إذا بعد أن عرفنا أن في داخلنا عقل ونفس , عقل يأمرنا بالطاعة لأنه يدرك أن العاقبة والجزاء الحسن للمتقين الطائعين, ونفس تأمرنا بالملذات ولو كانت بالمعاصي لأنها جبلت على حب الشهوات , يجب علينا أن في بداية كل نهار أن نجلس مع لدقائق معدودة نأخذ فيها عهد على أنفسنا بأن لا تعصي الله سبحانه وتعالى. وتلك المعاهدة يجب أن تكون تفصيلية فنعاهد النفس بأن لا يقوم أي عضو من أعضائنا وهي كل من ((العين والأذن واللسان واليد والرجل )) بمعصية من المعاصي فلا العين تنظر إلى محرم ولا الأذن تسمع لمحرم ولا اللسان يلفظ بشتم أو سباب أو غيبة أو نميمة , واليد لن تمتد لمحرم ولن تعتدي أو تخرب , والرجل لا تمشي لمعصية من المعاصي بل تمشي لطاعة الله وحسب وإن أردنا ان نعطي مثالا لحالة الإنسان مع نفسه تعالوا لنتخيل معا حال الإنسان الذي يملك المال ويريد مشاركة رجل آخر يتاجر له بذلك المال, فصاحب المال يأخذ العهود على الرجل العامل ويطلب منه القيام بأمور محددة كأن لا يتاجر بهذا المال إلا في هذه البلدة وأن يحرص على المال اشد الحرص ومن بعد ذلك يحاسبه على ما قد فعل بذلك المال وهذه هي حال الإنسان المسلم مع نفسه فالإنسان المسلم رأسماله هو أنفاسه, وهو رأسمال نفيس لا مثيل له ولا يمكن تعويضه فالدقيقة التي تمضي , تمضي دون رجوع. فحرى بالنفس البشرية إلا تضيع ذلك الرأسمال إلا فيما هو رابح وكل شيء سوى طاعة الله سبحانه وتعالى هو تجارة خاسرة لذلك ينبغي أن نأخذ العهود على أنفسنا بأن تعمل بأمانة فيما قد خولناها العمل فيه وهو أنفاس العمر.
2- مراقبة النفس : بعد أن نعاهد أنفسنا على طاعة الله سبحانه وتعالى والتزام كل جوارحنا بتلك الطاعة يتبقى لنا مراقبة التزام النفس بتلك المعاهدة فنحن إن غفلنا عن النفس عادت للمعصية ولنتمكن من ضبط النفس ومراقبتها بدقة سنضع جدولا لمراقبة النفس نفصل فيه الأيام والجوارح التي يجب أن تنضبط وفي كل يوم نحاسب تلك الجوارح على ما فعلت فأما أنها قد التزمت أو قصرت
3- المحاسبة: في نهاية كل يوم نلقي نظرة على الجدول الذي قمنا بتصميمه لنعلم مدى التزام أنفسنا بما قد تعاهدنا عليه فإن وجدنا أن النفس قد التزمت شكرنا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة وإن رأينا أنها قد تقاعست وقصرت حاولنا تلافي ذلك التقصير.
4- المعاقبة: إن تكرر من النفس التقصير والتقاعس وجب علينا معاقبتها ولكن كيف يعاقب الإنسان نفسه ؟ !
قلنا بأن النفس تطلب الملذات وتتمناها وعقوبة النفس تكمن بحرمانها مما تشتهي وتريد, وعقوبة النفس تكمن فيما لا تريد فعله فالصوم يشق على النفس فهو عقوبة لها وصلاة القيام تشق على النفس فهي لها عقوبة والتصدق بالمال يشق على النفس فهو لها عقوبة.
يحكى أن أحد الصالحين مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه الغرفة! ثم أقبل على نفسه يحاسبها فقال لها: تسألين عما لا يعنيك ؟! لأعاقبنك بصوم سنة, فصامها. ويحكى أن تميم الداري نام ليلة عن التهجد فلم يصليه , فعاقب نفسه بأن قام سنة لم ينم فيها عقوبة على ترك التهجد في تلك الليلة.
ورحم الله القائل :
خل الذنوب صغيرها… وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر…ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى

الموضوع منسق غاية التنسيق
بارك الله فيك .. وجعله في ميزان حسناتك
بانتظار كل جديد
جزاكم الله خيرا
الموضوع معروض بشكل جميل ومنظم
وبجد هو في غايه الأهميةوجعله الله في ميزان حسناتك
مدونة رائعة ومواضيع مفيدة وشيقة، في الحقيقة ما جذبني هنا مؤلفات مالك بن نبي الذي
اود ان أقرأه الأيام القادمة فشكرت الحظ الذي قادني إلى هنا لكن بما أنني لاحظت أن آخر تدوينة كانت في شهر مارس الماضي فأرجو ان تكون بخير وأن تواصل تدويناتك فنحن بالإنتظار
شكر الله لك