الفكر الإقتصادي لدى مالك بن نبي

4 06 2009

تعرض مالك بن نبي للمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الأمة وحاول تقييم أسباب تلك المشاكل وتقديم حل لها ولكنه في البداية وقف وقفة لتحديد مفهوم الاقتصاد

فالاقتصاد في رأيه : “هو تجسيم للحضارة على شرط أن نحددها بصفتها مجموعة الشروط المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه” ([1]) فالاقتصاد في بداية الأمر يرتبط بهوية كل أمة فهو تجسيد لحضارة تلك الأمة ومن مهام ذلك الاقتصاد أن يؤمن لأفراده ما يكفل معيشتهم وكرامتهم.

أسباب التخلف الاقتصادي

لمعالجة أي مشكلة يجب أولا تحديد الأسباب التي أدت إلى تلك المشكلة كي تتجنبها الأمة ومن ثم يمكن الانطلاق في محاولة إصلاح الوضع الاقتصادي إن الأسباب التي أدت إلى تخلف الأمة يمكن أن تتلخص في النقاط التالية([2]):

1. إن الوعي الاقتصادي لم ينمُ في شعور العالم الإسلامي النمو الذي نماه في الغرب وحياته. فالاقتصاد في الغرب قد أمسى  دعامة أساسية للحياة الاجتماعية وقاعدة جوهرية لتنظيمها ومبدأ تصرف الفرد.

2. جمود الفكر الإسلامي منذ انهيار دولة الموحدين في المغرب العربي فلم يقدم جديدا في عالم الاقتصاد أو في غيره من المجالات.

3. تمثيل اقتصاد الأمة لنوع وسطي بين الاقتصاد البدائي وبين الاقتصاد المنظم, فلم يتمكن اقتصاد الأمة من التعلق بفكرة الربح التي تدور حولها الرأسمالية ولا فكرة الحاجة التي هي نواة الماركسية.

4. انحلال دعائم الاقتصاد القديم للأمة أمام الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي قامت بها أوربا مما أدخل العالم في عصر اقتصادي جديد.

5. عدم تمكن المجتمع المسلم من مجاراة أوربا بعد اكتشافها لتلك الطرق التجارية كما لم يستطيع أن يكيف اقتصاده مع تلك الكشوفات.

6. دخول العالم في مرحلة اقتصادية جديدة تعتمد على مفاهيم لم يستطيع العالم العربي تملكها مثل ساعة العمل وقوة الإنتاج بالإضافة إلى وسائل الإنتاج المتطورة التي ندت عن تصور العالم الإسلامي لها كالبخار والكهرباء والآلة.

أساليب حل المشكلة المتخذة في مجتمعاتنا

حاول السياسيون حل المشكلة الاقتصادية التي وقعت بها الأمة, فانتهجوا منهجين الأول يتسم باللاموضوعية أما الآخر فبالرغم من موضوعية مادته قد اتسم باللاموضوعية في تطبيقه أيضا وذلك نتيجة لظروف أحاطت به.

أولا الاقتصادانية:

تكلم مالك بن نبي عن مفهوم أسماه الاقتصادانية وقد قصد به المحاولات غير الجادة في حل المشكلة الاقتصادية. وقد ضمن هذا المفهوم تصور الإنسان المسلم أو الإنسان في العالم الثالث بشكل عام أن مشاكله الاقتصادية كلها قابلة للحل عن طريق النظر الفكري فقط. كما عبر بهذا المفهوم عن محاولة السلطة في المجتمع تقييد حرية التصرف الاقتصادية لأبناء المجتمع بهدف الحفاظ على الاستقلال السياسي المزعوم, فينتج عن هذه السياسية استعباد من نوع جديد لا يكون في المستعبد إلا أحد أبناء المجتمع نفسه”حتى أن الاقتصادي لا يحيى القرية بإعادة كرامة المواطن التي داستها الأقدام ووطئتها قرونا طوالا, بل يلبسه ثوب الذل كرة أخرى  ويخنق أنفساه ويضيق عليه الحريات المدنية”([3])

إن نتيجة هذه الاقتصادانية تنعكس سلبا على المجتمع التي تطبق فيه, فهي تضيف مشاكل جديدة للمجتمع تحتم عليه التخلص منها أولا ومن ثم محاولة التخلص من المشكلة الاقتصادية التي يعاني منها وفي الغالب تكون أكبر نتائج هذه الاقتصادانية هجرة العقول المفكرة من المجتمعات التي تطبق بها إلى مجتمعات أخرى تدرك قيمة ما لدى هذه العقول فلا تعاملهم بالتعالي الذي كانوا يعاملون به في مجتمعاتهم. ([4])

ثانيا الحصر

إن العاملين على وضع خطة معينة لإنقاذ المجتمع الإسلامي من مشاكله الاقتصادية قد وضعوا أنفسهم أمام مجال ضيق للاختيار حين حصروا خياراتهم بالمسلمات التالية:

1- الاختيار من ضمن ما هو موجود من مذاهب اقتصادية قائمة, وتطبيق ذلك المذهب على مجتمعاتنا.

2- حصر النشاط في صورة استثمار, تنظمه وتشرف عليه قطاعات خاصة أو استثمار تهيمن عليه سلطة سياسية فيما يسمى القطاع العام. ([5])

فالمسلمة الأولى تضطره إلى أن يختار بين الرأسمالية والشيوعية فإن جنح للرأسمالية  فسرعان ما يصطدم بإباحيتها. وليس هذا فحسب بل إنه سيجد أن في الرأسمالية ما يتعارض مع مبادئ دينه وأهم تلك الأمور الربا التي يقوم الاقتصاد الرأسمالي عليها. فيسعى جاهدا لتخليص الرأسمالية من الربا لأنه محرم في شريعته, وهو إن نجح في ذلك فسيكون قد حصل نظاما اقتصاديا منزوع الروح أو لنقل أنه ركب روحا إسلامية لجسد رأسمالي فذلك الجسد لن يتقبل تلك الروح وسيفشل ذلك النظام.

فإن أدرك عقم مسعاه مع الرأسمالية التفت باتجاه الشيوعية _ التي يُلَطِّفُ اسمها فيسميها الاشتراكية _ وذلك الالتفات لا لما في الشيوعية من مبادئ وإنما لأنها الخيار الوحيد المتبقي بعد فشل التجربة الرأسمالية. وهو سيعاني مع الاشتراكية كما عانى مع الرأسمالية فلن يستطيع تقبل الاشتراكية بما فيها من إلغاء للملكية الخاصة, بغض النظر عن التعارض الكبير بين مبادئ الشيوعية والدين الإسلامي.  وفي كلا الحالين نراه يحاول تركيب روح إسلامية على جسد أجنبي يرفضه ويرفضها([6])

ومن هنا فإن مالك بن نبي يقرر أن كل مبدأ اقتصادي لا يمكن أن ينتج أثره ويظهر مقدرته الحقيقة في النجاح أو الفشل إلا ضمن المحيط الذي قد وضع أساسا له فلا فائدة من نظام اقتصادي قد اجتث من أصله وزرع في أرض غريبة عنه وفي بيئة لا تتناسب معه, إن هذا النظام في تلك البيئة سيفشل؛ إلا أن فشله لا يعني كون ذلك النظام فاشل بحد ذاته, بل لأنه قد وضع في بيئة لا يصلح لها. فقد يكون ذلك النظام الاقتصادي نظاما ناجحا في بيئته الأصلية ولذلك وجب على المفكرين السياسيين والاقتصاديين مراعاة ظروف مجتمعاتنا حين وضع أي نظام اقتصادي معين. ([7])


[1]المسلم في عالم الاقتصاد. . تأليف: مالك بن نبي. نشر: دار الفكر – دمشق – طـ 1420هـ = 2000م.:ص61

[2]المسلم في عالم الاقتصاد: 35-36

[3]المسلم في عالم الاقتصاد: 37

[4]ينظر المسلم في عالم الاقتصاد: 39

[5]ينظر المسلم في عالم الاقتصاد: 42

[6] ينظر المسلم في عالم الاقتصاد: 43

[7] ينظر فكرة الأفريقية الأسيوية. الإفريقية الأسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ. تأليف: مالك بن نبي. ترجمة: عبد الصبور شاهين. نشر:دار الفكر – دمشق – طـ3 2001م.: ص 151

About these ads

الإجراءات

Information

2 responses

4 06 2009
tareef

بارك الله بك
أفدتني بحق

4 06 2009
oubida

tareef

وبارك بك

للموضوع تتمة تحت عنوان ((الحلول الاقتصادية)) وفيه الحلول الاقتصادية التي اقترحها مالك بن نبي, فمالك لم يكتفي بتشخيص المشكلة وبيان اساليب الحل التي اتبعت للتعامل معها بل وضع ايضا الحلول الكفيلة برأيه لتجاوز تلك الأزمة

تحياتي

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s




تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: