التقوى

19 10 2009

إن لكل شيء في هذا الوجود أركان يقوم عليها وينبني فوقها , فالأعمدة التي تنشئ في البناء هي أساسه وأركانه والمحرك في السيارة أساس حركتها . وهذه القاعدة واضحة وبسيطة ونتبعها في فهم أي شيء نراه. فمن أجل فهم أي شيء لا بد من التعرف على أركانه والأسس التي يقوم عليها ولكن هل سألنا أنفسنا يوما عن أركان ديننا ؟ !
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريص على هذه النقطة فبين لنا أركان الدين الذي جاء به فأخبرنا بأنها ثلاثة أركان هي الإيمان والإسلام والإحسان. فالإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر, والإسلام هو شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً, أما الإحسان فهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك.
فأركان الإسلام إذاً ثلاثة :
1- عملي هو الإسلام 2- اعتقادي هو الإيمان 3- أسلوب تطبيق للعمل والاعتقاد هو الإحسان
تعالوا الآن لنتلمس واقعنا وحياتنا التي نحياها اليوم لنرى ماذا نجد من عناصر الدين الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. إننا اليوم نجد الإيمان ونجد الإسلام ولكن قلما نجد الإحسان فتعالوا معا نتعرف على الإحسان
إن الإحسان الذي تكلم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه الإحسان هو التقوى التي نجدها تتكرر في كتاب الله عز وجل فالتقوى في أبسط معانيها هي أن نعلم بأن الله سبحانه وتعالى يرانا في سرنا وفي جهرنا, يرانا حين نكون في العلن ويرنا حين نكون في خلوتنا. تعالوا لنتعرف على التقوى أكثر من خلال صور نستعرضها معا :
1- كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إحدى الليالي يتفقد رعيته كعادته فسمع أماً تأمر ابنتها بخلط اللبن بالماء _ أي بأن تخلط الحليب بالماء فيصبح أكثر _ طمعاً في زيادة الربح فإذا بالبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين فقالت لها الأم أين نحن من أمير المؤمنين أنه لا يرانا . فردت البنت قائلة: إن لم يكن أمير المؤمنين يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا.
2- قال نافع خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في بعض نواحي المدينة فوضعوا سفرة , فمر بهم راع فقال له عبد الله هلم يا راعي _ أي شاركنا طعامنا_ فقال الراعي : إني صائم
قال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره في هذا الشعاب
قال الراعي : أبادر أيامي
قال ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة ونعطيك من لحمها ما تفطر عليه ؟
قال الراعي : أنها لمولاي
قال ابن عمر: فما عسى أن تقول لمولاك إن قلت أكلها الذئب؟
فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء يقول فأين الله ؟ فبعث ابن عمر إلى سيد الراعي فاشترى منه الغنم والراعي فاعتق الراعي ووهب له الغنم.
3- اشترى رجل من رجل عقاراً له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب , فقال الذي اشترى العقار للذي باعه العقار : خذ ذهبك مني , فإنما اشتريت من الأرض ولم اشتري الذهب ! وقال الذي باعه : إنما بعتك الأرض وما فيها ! فقد حملت مراقبة الله سبحانه وتعالى كلا الرجلين على رفض مال قد يكون لآخر حق فيه
تلك هي التقوى كمعنى نعيشه ونطبقه وإن أردنا أن نعرفها كمصطلح وعلم فنقول: حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظورات وترك بعض المباحات تورعاً.

إن قضية الإسلام الأولى هي التقوى ولذلك ابتدأ بها النبي خطبته الأولى في المدينة المنورة في مسجد قباء فالتقوى أهم ما في الدين وأهم ما يمكن أن يوصي به مسلم مسلماً لهذا قال تعالى ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا () وتأمل في القرآن كيف أن كل الأنبياء عندما أمروا قومهم بالتوحيد قالوا ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) عبارة تتكرر على لسان كل نبي. العلاقة بين الله تعالى وعباده هي التقوى. فكيف نتقي الله عز وجل؟
إن كل حركة من حركاتك في اليوم والليلة داخلة تحت (واتقوا الله) فيجب أن تكون منذ لحظة استيقاظك إلى لحظة نومك مرتبط بتقوى الله. وأن تتقي الله أي أن تجعل بينك وبين محارمه وقاية
إن التقوى أسلوب حياة فالتقوى توجد في جميع مجالات الحياة وحيث وجد التصرف الإنساني:
- فالطالب في مدرسته عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فإن استطاع أن يغافل مدرسه ويغش في امتحانه فهو لن يستطيع أن يفلت من رقابة الله سبحانه وتعالى فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه فيمتنع عن الغش لكي لا يقع في ما حرم الله
- المدرس عليه أن يكون متقيا لله سبحانه وتعالى فعليه أن يعطي درسه بحيث يصل إلى جميع الطلاب ويكون في المقام الذي يفترض أن يوجد فيه فيكون المربي والمدرس
- الموظف في مكان عمله إن استطاع أن يؤمن الظروف التي تكفل له بعده عن عين الرقيب وقبل على نفسه الرشوة فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراه ويعلم بفعله فعليه أن يمتنع عن الرشوة لكي يجعل بين وبين ما حرم الله وقاية
- التاجر إن استطاع أن يغش في بضاعته ويخدع الزبون فعليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعلته وأنه لن يرضى عنها فعليه أن يجعل وقاية بينه وبين محارمه
- الطبيب إن علم أن مريضه ليس بحاجة لعمل جراحي ولكنه اقنع ذلك المريض بأنه بحاجة لذلك العمل لكي يكسب من ورائه المال فعليه أن يدرك أن الله سبحانه وتعالى يعلم بفعله وأنه لن يرضى به فعليه أن يمتنع عن ذلك الفعل كي يضع وقاية بينه وبين ما حرم الله
وهكذا نستطيع أن نعمم التقوى على جميع مجالات الحياة وهنا نستطيع أن نعود إلى البداية لنقول : إن قلنا بأن التقوى هي الإحسان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ)) فالتقوى يجب ان تكون موجودة في كل مجالات حياتنا كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك نتقى الله عز وجل حق تقاته وبذلك نوجد الحل الوحيد لمشاكل مجتمعنا فالتقوى تحمل الإنسان المسلم على العمل بكافة طاقته الإنتاجية _ في أي مجال كان عمله _ فيستثمر تلك الطاقة في بناء نفسه وبناء ما حوله فالإنسان المسلم المتقي لا يقبل أن يقوم بأنصاف الأعمال فإن كان طبيبا كان طبيبا متميزا ولا مكان لوجود طبيب مسلم متقي ولكنه نصف طبيب فهو ليس بالطبيب المتقن الجيد حقا ولا مكان لتلميذ مسلم متقي ولكنه متراخ في درسته فتقوى الله تفرض عليه أن يقبل على دراسته بكليته يقول الله سبحانه وتعالى ((إنما يتقبل الله من المتقين )) فلكي يتقبل عملك أي كان ذلك العمل ويكون عبادة يجب أن تراعي تقوى الله فيه فتعطي في ذلك العمل كليتك وتبذل قصارى جهدك لتتميز فيه وتراقب الله فيه فيتقبل الله سبحانه وتعالى عملك كما أخبر لأنك كنت فيه من المتقين .

كيف أكون متقيا لله عز وجل؟ !

لا شك بان تقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبة الله في السر والعلانية في كل حركة وسكنة ليس بالأمر البسيط لذلك فإن التقوى تحتاج إلى أمور عملية لنصل إليها وتلك الأمور يمكن إجمالها بالتالي:
1- معاهدة النفس : إن الإنسان يتكون من عقل وجسد ففي كثير من الأحيان يدور في داخلنا حديث خفي حيث نلاحظ وجود طرفين : طرف يطلب وطرف يمانع فعلى سبيل المثال إذا تقاعس أحدنا عن الصلاة يجد في داخله طرفا يأمره بالجلوس عن الصلاة وعدم القيام لها , وطرف آخر يأمره بالقيام لها . فهذين الطرفين هما العقل والجسد أو يمكن أن نطلق عليهما النفس الآمرة بالسوء التي تأمر الإنسان بالمعاصي وتطلب الملذات والنفس اللوامة التي تلوم الإنسان على المعاصي وقد قال تعالى : ((لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)) وقال تعالى : ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ))
إذا بعد أن عرفنا أن في داخلنا عقل ونفس , عقل يأمرنا بالطاعة لأنه يدرك أن العاقبة والجزاء الحسن للمتقين الطائعين, ونفس تأمرنا بالملذات ولو كانت بالمعاصي لأنها جبلت على حب الشهوات , يجب علينا أن في بداية كل نهار أن نجلس مع لدقائق معدودة نأخذ فيها عهد على أنفسنا بأن لا تعصي الله سبحانه وتعالى. وتلك المعاهدة يجب أن تكون تفصيلية فنعاهد النفس بأن لا يقوم أي عضو من أعضائنا وهي كل من ((العين والأذن واللسان واليد والرجل )) بمعصية من المعاصي فلا العين تنظر إلى محرم ولا الأذن تسمع لمحرم ولا اللسان يلفظ بشتم أو سباب أو غيبة أو نميمة , واليد لن تمتد لمحرم ولن تعتدي أو تخرب , والرجل لا تمشي لمعصية من المعاصي بل تمشي لطاعة الله وحسب وإن أردنا ان نعطي مثالا لحالة الإنسان مع نفسه تعالوا لنتخيل معا حال الإنسان الذي يملك المال ويريد مشاركة رجل آخر يتاجر له بذلك المال, فصاحب المال يأخذ العهود على الرجل العامل ويطلب منه القيام بأمور محددة كأن لا يتاجر بهذا المال إلا في هذه البلدة وأن يحرص على المال اشد الحرص ومن بعد ذلك يحاسبه على ما قد فعل بذلك المال وهذه هي حال الإنسان المسلم مع نفسه فالإنسان المسلم رأسماله هو أنفاسه, وهو رأسمال نفيس لا مثيل له ولا يمكن تعويضه فالدقيقة التي تمضي , تمضي دون رجوع. فحرى بالنفس البشرية إلا تضيع ذلك الرأسمال إلا فيما هو رابح وكل شيء سوى طاعة الله سبحانه وتعالى هو تجارة خاسرة لذلك ينبغي أن نأخذ العهود على أنفسنا بأن تعمل بأمانة فيما قد خولناها العمل فيه وهو أنفاس العمر.

2- مراقبة النفس : بعد أن نعاهد أنفسنا على طاعة الله سبحانه وتعالى والتزام كل جوارحنا بتلك الطاعة يتبقى لنا مراقبة التزام النفس بتلك المعاهدة فنحن إن غفلنا عن النفس عادت للمعصية ولنتمكن من ضبط النفس ومراقبتها بدقة سنضع جدولا لمراقبة النفس نفصل فيه الأيام والجوارح التي يجب أن تنضبط وفي كل يوم نحاسب تلك الجوارح على ما فعلت فأما أنها قد التزمت أو قصرت

3- المحاسبة: في نهاية كل يوم نلقي نظرة على الجدول الذي قمنا بتصميمه لنعلم مدى التزام أنفسنا بما قد تعاهدنا عليه فإن وجدنا أن النفس قد التزمت شكرنا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة وإن رأينا أنها قد تقاعست وقصرت حاولنا تلافي ذلك التقصير.
4- المعاقبة: إن تكرر من النفس التقصير والتقاعس وجب علينا معاقبتها ولكن كيف يعاقب الإنسان نفسه ؟ !
قلنا بأن النفس تطلب الملذات وتتمناها وعقوبة النفس تكمن بحرمانها مما تشتهي وتريد, وعقوبة النفس تكمن فيما لا تريد فعله فالصوم يشق على النفس فهو عقوبة لها وصلاة القيام تشق على النفس فهي لها عقوبة والتصدق بالمال يشق على النفس فهو لها عقوبة.
يحكى أن أحد الصالحين مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه الغرفة! ثم أقبل على نفسه يحاسبها فقال لها: تسألين عما لا يعنيك ؟! لأعاقبنك بصوم سنة, فصامها. ويحكى أن تميم الداري نام ليلة عن التهجد فلم يصليه , فعاقب نفسه بأن قام سنة لم ينم فيها عقوبة على ترك التهجد في تلك الليلة.
ورحم الله القائل :

خل الذنوب صغيرها… وكبيرها فهو التقى
واصنع كماش فوق أر…ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى





لك تركووووني…. صايم ها

23 08 2009

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبين وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم لك الحمد لما بلغتنا شهرك الكريم , اللهم فكما بلغتنا إياه أجعلنا من عتقائك فيه يا رب العالمين

أقبل شهر الرحمة والمغفرة بعد طول انتظار لترتوي النفوس فيه من واحة الروحانيات التي تفيض على القلوب فتكسبها صفاء ورقة لطالما كانت بحاجتهما ..

هذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه حال أي مسلم في هذا الشهر الكريم وهذا ما يتوقع كل واحد منا أن يراه في هذا الشهر .. ولكن الواقع امر يخالف المفترض كالمعتاد ..

ففي الصباح المبكر لليوم الأول من رمضان انزل إلى الشارع وما أن اجاوز منزلي بأمتار عديدة حتى اجد أول اثار الصيام لرمضان الكرم والجود ..


شخص قد خلع قميصه وبقي مرتديا لبنطاله فحسب وهو يقفز ويحاول الوصول إلى خصمه لينال منه ويقول للناس صارخا

لك تركوووووووووووووووووووووووووني صايم ها …. !!


سبحان الله أين الصيام ؟ ! اسمع به ولا اجده حقا ولا حتى في نفسي .. ارى ملامح رمضان تتجول في الجوار ولكني لم أراه حقا .. لم أرى انعكاسه على الجوارح ولم أرى انعكاسه في صفحات الوجوه .. فالوجوه تزداد قسماتها قسوة وكأنها تعاني أمراً يفرض عليها فرضاً لا تؤديه طاعة وحباً … الجوارح تزداد نيلا من الشهوات .. فالبطن لا يكاد يشبع واليد تبطش بمن يستفزها بأي كلمة والقدم تسير إلى الخيم المرضانية .. اين معنى الصيام في كل هذا ؟ ما الذي قد اضافه الصوم لصوم من قد صام على هذه الشاكلة ؟

صدقت يا سيدي يا رسول الله إذ قلت : ( كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ )

أعاننا الله جميعا لتلمس معاني هذا الشهر الحقيقية والتوقف عن السخرية من أنفسنا






المفطرات في رمضان ( صادر عن دائرة افتاء حلب )

18 08 2009

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث هدى ورحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة 183 ويقول صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)) السنن الأربعة

فرض الله سبحانه الصوم لما له من فوائد روحية وخلقية واجتماعية وصحية . فالصيام جنة – أي وقاية بين الإنسان وبين ما يؤذي حياته الروحية والبدنية عاجلاً و آجلاً. فلله در الإسلام من دين حكيم يجمع للناس في تشريعه بين مصالح الجسد ومصالح الروح , بين خير الدنيا والآخرة.

ولهذا فإن الصيام الذي لا يحقق معناه الروحي , فلا يشعر العبد بعظمة المعبود , ولا يوصل قلبه به , والذي لا يحقق معناه الإنساني, فلا يهذب نفساً, ولا يقوم أخلاقاً , والذي لا يحقق معناه الصحي , فلا يكون حمية أو علاجاً لإسراف في طعام, أو شراب مثلاً, إنه صورة الصيام لا حقيقته والفرق كبير بين الصورة والحقيقة.

وللأسف إن واقع كثير من المسلمين الاكتفاء بالصورة, والعيب في ذلك على المسيء في صيامه لا في الصيام نفسه , قال صلى الله عليه وسلم : ((كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ)) أحمد والنسائي . وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَعَرَفَ حُدُودَهُ وَتَحَفَّظَ مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ كَفَّرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ)) أحمد وابن حبان

ونبين فيما يلي بعضاً من الأفعال التي تفطر الصائم والتي لا تفطره

المفطرات في كتاب الله عز وجل , وفي السنة الصحيحة ثلاثة, هي الأكل والشرب والجماع , فكل ما جاوز الحلق , يعد مفطراً. أما بالنسبة للأمور التالية:

1- قطرة العين لا تفطر الصائم ولو وجد طعمها في حلقه .

2- قطرة الأذن والأنف فيهما قولان : قول المتقدمين بالإفطار , وقول المتأخرين ومنهم المجمع الفقهي بمؤتمره العاشر 1418-1997 بعدم الإفطار إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ منهما إلى الحلق .

3- قرص (النيتروغليسرين) الذي يوضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية , إذا تلاشى في الفم ولم يبتلع منه شيئاً لا يفطر, وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

4- ما يدخل المهبل من إصبع طبيبة أو قابلة فاحصة بلا دواء ولا بلل لا يفطر , وإذا وُجد دواء أو بلل أفطرت وعليها القضاء دون الكفارة .

5- ما يدخل الإحليل أي مجرى البول الظاهر من قثطرة أو منظار بلا مادة ظليلة أو دواء لا يفطر, وإلا أفطر الصائم ووجب عليه القضاء دون الكفارة.

6- حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان , إذا لم يدخل شيء من ذلك إلى حلقه لا يفطر وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة .

7- الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية بجميع أنواعها لا تفطر.

8- التبرع بالدم غير مفطر .

9- غاز الأوكسجين غير مفطر.

10- غازات التخدير (البنج) غير مفطرة.

11- ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمرخيات واللصاقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيمائية غير مفطرة.

12- أخذ عينة من الدم للفحص المخبري غير مفطر .

13- إدخال قثطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب أو غيره من الأعضاء غير مفطر , ولكن ما يتبع القثطرة من وجوب تناول سوائل , فهي مفطرة وعليه القضاء حينئذ دون كفارة.

14- المضمضة وبخاخ العلاج الموضعي للفم غير مفطر إذا تجنب الابتلاع , وإلا أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

15- عملية إدخال المنظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها إذا دخل معه إلى الأحشاء دواء أو أي شيء يبقى في الأحشاء فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة .

16- عملية إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم بدون مرهم أو دواء غير مفطر.

17- عملية أخذ عينة ( خزعة ) من الكبد أو غيره من الأعضاء إذا لم يدخل دواء إلى الجوف فلا يفطر وإلا فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة.

18- القيء غير المتعمد غير مفطر , أما من تعمد القيء وكان ملء الفم فيفطر , وعليه القضاء دون الكفارة , وكذلك إذا أعاد بصنعه ما غلبه من القيء وكان ملء الفم فيفطر وعليه القضاء.

19- ما يدخل الشرج من حقن شرجية أو تحاميل فإنها مفطرة وعليه القضاء دون الكفارة , ويطلب أخذها بعد الإفطار إلا للضرورة فيفطر ويقضي .

20- منظار المعدة إذا دخل معه دواء فقد أفطر وعليه القضاء دون الكفارة وإلا فلا.

21- بخاخ الربو مفطر للصائم وعليه القضاء دون الكفارة.

22- شرب الدخان بجميع وسائله وأنواعه منهي عنه وهو مفطر , ويوجب القضاء.  وأما التدخين السلبي وهو استنشاق دخان شخص آخر ؛ فإن كان بقصد فهو مفطر , وإلا فلا يفطر .

23- الاستمناء بقصد في نهار رمضان منهي عنه وهو مفطر, ويوجب القضاء.


___


نقلا عن دائرة افتاء حلب





تحميل كتب عقائد ((المذهب الأشعري ))

7 08 2009

فيما مجموعة كتب في العقيدة معظمها للمذهب الأشعري لتشغيل هذه الكتاب انتم بحاجة لتحميل الشاملة المفرغةالحجم 17 MB

تحميل الكتاب
* كتاب المواقف – الإيجي
* تبيين كذب المفتري فيما نسب للأشعري
* تلبيس إبليس لابن الجوزي
* كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل – الباقلاني
* خلق أفعال العباد – البخاري
* رسالة إلى أهل الثغر – الأشعري
* غاية المرام – الآمدي
* فضائح الباطنية – الغزالي
* قواعد العقائد – الغزالي
* لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة – الجويني أبو المعالي
* مقالات الإسلاميين – الأشعري
* الأسماء والصفات للبيهقي
* الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي
* الإنصاف للباقلاني
* نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني
* رفع الأستار  لإبطال أدلة لقائلين بفناء النار للأمير الصنعاني
* لمعة الاعتقاد للمقدسي
* شرح العقيدة الطحاوية لابن ابي العز الحنفي
* المنقذ من الضلال للغزالي
* أدلة معتقد أبي حنيفة للقاري
* موسوعة اليهود واليهودية للمسيري

اتمني لكم الفائدة





ويح المسلمين من رمضان

7 08 2009

ما عهدت الصائمين هكذا ، يقولها رمضان المقبل إلينا ويتابع ، بل عهدي بالمسلمين الصائمين أن يكونوا متقين ، والتقوى تعاون وائتلاف ، وعبادة مع إخلاص ، وعمل يُتوِّجه إحسان ، التقوى – يا أيّها الصائمون – حال وواقع وليست كلاماَ وشكليات .
لماذا تنتسبون إليّ ادعاءً وظاهراً وفي سلوككم لي تتنكرون ؟!
فكّروا ولو مرّة يا سادة أن توازنوا بين صيامكم وصيام من سلف من رجالاتكم العظماء فستجدون الهوّة سحيقة والفرق كبيراً . لقد صاموا عن الضياع والفساد والذل والكسل والهوان ، وصمتم عن الجدّ والعمل والسعي والإتقان فهل ثمة مقارنة ؟!
الصيام لديهم مدرسة وهو عندكم ملهاة ، والصيام في تصورهم معركة بين الإنسان ونزعاته وينتصر في النهاية الخير على الزيغ ، أمّا صيامكم فصراع غير متكافئ بين البطن الشديد وشهواته العارمة وبين الروح الواهية وتطلعاتها المتعبة ، والمنتصر – ابتداءً – معروف ومكشوف .
أيّها الصائمون استحضروا – من أجل التوبة من صيامٍ كرنفالي لا يقدّم ولا يُؤخّر- قيمَ رمضان القرآن الكريم وفضائل رمضان النبي العظيم ، واذكروا باستمرار : الرحمة والمغفرة والعتق من النار ، وكذلك المواساة والتعاون والحب ، ومع ذلك كله الامتناع عن الرذائل كلها صغيرها وكبيرها ، والإقبال على الخيرات جلّها ولا سيّما حسنة الدنيا التي أهملتموها فصرتم جراء ذلك طفيليين في جسم الأمة الإنسانية .
وعلى كلٍّ فأنا أبشركم بقبول التوبة وسرعة استجابة ربي وربكم إن صدقتم الدعاء وأحسنتم العمل وسددتم القول وإذ تفعلون ذلك فلن أقول إلا بشراكم بدلاً من يا ويحكم





أفعال العباد بين الأشاعرة والمعتزلة

6 08 2009

الجير والاختيار

إن أفعال العباد لم تزل موضع إشكال منذ القدم, فهي ليست وليدة اليوم أو الأمس. فقد سبق ظهورها ظهور الإسلام فتعرضت لها الأمم السابقة كما تعرض لها المفكرون المسلمون. وإذا نظرنا إلى موقف المفكرين الإسلاميين من هذه القضية رأينا مواقف عدة متناقضة, و يرجع ذلك إلى الأدلة التي بنى عليها كل من أصحاب الكلام مواقفهم. ففي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نوعان من الأدلة:

  • o الأول: يشير وبصراحة إلى ان كل ما في الكون هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وحده, وأنه لا مدخل للقدرة الإنسانية في أي شيء من الأشياء حتى أفعاله نفسها.
  • o الثاني:  يشير إلى أن للإنسان قدرة يستطيع بها ان يقوم بأفعال معينة, مما يثبت للإنسان الفعالية. وخصوصا إذا ما نظر إلى هذه القضية من جانب آخر وهو حساب الإنسان على تلك الأفعال, مما يجعل من اللازم إثبات تلك المقدرة وإلا صرنا إلى نسب الظلم لله عز وجل _تعالى الله عن ذلك علوا كبير_.

فنتيجة لهذه الأدلة المتعارضة في الظاهر, وغموض المسألة, ورد التعارض في المواقف بين المتكلمين. فتمسك معبد وغيلان بالنصوص التي تشير لحرية الإنسان وقدرته, وتابعهم على ذلك المعتزلة. وفي المقابل نجد الجهم بن صفوان قد تمسك بالأدلة التي تنفي قدرة الإنسان مطلقا وقد جاء مذهب الأشعري قريب من هذا الموقف حتى سمي كسبه بالجبر الخفي وفيما يلي نفصل قول المعتزلة والأشعري على حد سواء.

فقد ذهب المعتزلة إلى أن الإنسان خالق  لفعله بمعنى انه يوجده بقدرته وإرادته مستقلا بذلك عن القدرة والإرادة الإلهية فالله سبحانه وتعالى لا يريد من العبد المعاصي ومع ذلك فهي تقع من العبد بإرادته وحده وهكذا يمكن على حسب قولهم وقوع ما لايريده الله سبحانه وتعالى في ملكوته وقد انطلق المعتزلة في قولهم هذا من ان الله سبحانه وتعالى حكيم ولا يصح أن يفعل عبثا, وخلقه للعالم بلا غرض ولا حكمة نوع من العبث لا يجوز عليه. بل  إن “إرادته لاختراع الخلق إنما حسنت لأنها إرادة لخلقهم لينفعهم أو إرادة لخلق ما ينفع به, أو إرادة لخلق الشيء للأمرين جميعا”.([1]) فالحكمة من خلق العالم في رأي المعتزلة هي إيصال النفع والمنفعة لمن في هذا العالم ولما كان الإنسان هو أكرم من قد خلقه الله عز وجل _ ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدم ﴾[الإسراء:70] _ على ظهر الأرض فأن النفع المقصود إيصاله لهذا الإنسان إنما هو التكليف. لأن التكليف في نظر المعتزلة إنما هو نوع من المنفعة التي يعرض الله سبحانه وتعالى الإنسان لها وإن لم يستطع الإنسان من القيام بأفعاله مستقلا عن الله سبحانه وتعالى لم يكن هناك للتكليف معنى على الإطلاق ويكون الفاعل على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى ويكون ثوابه أو عقابه للعباد على شيء لم يفعلوه هم.

وقد استدلوا من القرآن الكريم بآيات كثيرة جدا مبثوثة في مواضع متفرقة ولذلك فقد قسمتها إلى أنواع يندرح تحت كل نوع عدد معين من الآيات وأكتفيت بذكر أمثلة على هذا النوع:

1- عموم النصوص التي تثبت للإنسان الإرادة الحرة كقوله تعالى : :﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[الإنسان:29]وقوله:﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾[الأعراف:19]

2- الآيات التي تثبت  فعل الخلق للإنسان :﴿وتَخْلقُون إِفْكاً﴾[العنكبوت:17] وقوله تعالى:﴿أنِّي أَخْلُق لكم من الطين﴾[آل عمران:49]

3- عموم الآيات التي تشير إلى أنه سبحانه وتعالى لا يريد المعاصي ومنها قوله تعالى:﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56] وقوله تعالى:﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[الأعراف:28] فقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يريد المعاصي من العباد وأن من وقعت منه المعصية أنما قد وقعت بخلقه لا بخلق الله سبحانه وتعالى لها

4- عموم الآيات التي تنص على أن خلق الله سبحانه وتعالى يخلو عن النقائص ومنها قوله تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾[الملك:3] وقوله عز وجل: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[السجدة:7] فقد أخبر سبحانه وتعالى أن لا تفاوت في خلقه, وأن أفعاله التي خلقها جميعها حسنة. ومن المشاهد أن أفعال العباد تتضمن التفاوت, والخلل وكذلك فأن من أفعالهم القبيح. مما يدل على أن تلك الأفعال إنما هي من العباد أنفسهم, لا من خلق الله عز وجل.

5- عموم النصوص التي تثبت للإنسان الاختيار والقدرة على الفعل, مما يشعر بأن الإنسان قادر على خلق فعله, وإيجاده مستقلا عنه سبحانه وتعالى. ومن تلك النصوص قوله تعالى:﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً[الإسراء:94] وقوله تعالى:﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم

6- عموم الآيات التي تنسب المعاصي والقبيح من الأفعال إلى العباد, أو إلى الشيطان, مما يدل على وقوعها من العباد أنفسهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾[القصص:15] ثم قال الله تعالى على لسان موسى بعد أن قام بهذا الفعل﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾[القصص:16] فلو كان الفعل من الله لما نسب فعل الظلم إلى نفسه, إذ أنه سيكون مجبرا على هذا الفعل ولا اختيار له.  ومن ذلك أيضا قوله تعالى عن يونس عليه السلام: ﴿ِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء:87]


وفي مقابل مذهب المعتزلة نجد مذهب الأشعري رحمه الله الذي كان أحد المعتزلة ثم رجع عن مذهبهم وأعلن انتهاجه نهجا جديدا حيث ذهب إلى أن أخص صفة لله سبحانه وتعالى هي الخلق ولا يشاركه في هذه الصفة مخلوق فهي صفة للخالق وحسب. أما الإنسان فإنه يقدر على الكسب ولا يقدر على الفعل ولهذا لا يصح تسمية الإنسان فاعلا وإنما يطلق عليه لفظ كاسب وقد حاول الأشعري شرح نظريته بالكسب حيث بين أن الفعل الإنساني يتوقف على أمرين الأول الإرادة والثاني القدرة

فحين يريد الإنسان وقوع فعلا ما على وجه ما ويجزم بإراته على هذا النحو تتجه قدرته إلى إيجاد الفعل وقدرة الإنسان قدرة قادرة على الاستقلال بإيقاع الفعل إلا أن هذه القدرة حيتما تقارب من إيقاع الفعل يصرفها الله سبحانه وتعالى عن إيجاده ويوجده هو سبحانه وتعالى لأن الخلق صفته وليس لأحد غيره.

وقد انتقد الأشعري لقوله بقدرة لا تأثير لها مما يعني أن الإنسان لا يزال مجبرا ويمكن ان نتفهم ان هذا نوع من النظرة القاصرة بعض الشيء لأن الأشعري لم يعلق الفعل الإنساني على القدرة غير المؤثرة وحسب بل علقها أيضا على الإرادة التي تخصص فعلا من بين الأفعال عامة وتزيد هذا التخصيص بتخصيصه على صفة معينة كذلك .

وقد ذهب الأشعري كنتيجة منطقية لما تقدم إن إرادة العبد لا تخالف إرادة الله سبحانه وتعالى ففي هذا الكون لا يكون إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى

وقد استدل الاشعري كذلك بعدد كبير من النصوص يدخل في نطاقها عدد من النصوص التي استدل بها المعتزلة ولكن يختلف توظيف الدليل ما بين المعتزلة وما بين الأشعري فالمعتزلة يوظفه للخلق والاشعري يوظفه للكسب  واهم ما انفرد به الاشعري من الأدلة لتثبت معنى الكسب :

1- إن الله سبحانه وتعالى قد قال ﴿ والله خلقكم وما تعملون [الصافات :96] وقال أيضا ﴿ جزاء بما كانوا يعملون[الواقعة : 24] فلما كان الجزاء واقعا عليهم, واستحال أن يكونوا هم الخالقين, ثبت أن لهم مدخلا في أفعالهم وهو الكسب

2- أن الله سبحانه وتعالى قد سمى قدرة العبد استطاعة :﴿ واعدوا لهم ما استطعتم من قوة[الأنفال::60] وكذلك في قوله :﴿ من استطاع إليه سبيلا [آل عمران:97] وقوله : ﴿ لو استطعنا لخرجنا معكم[التوبة: 42] أما قدرة الله سبحانه وتعالى فلا تسمي بالاستطاعة وذلك لأن التوقيف لم يرد بذلك  وأهل اللغة لا يفرقون بين المعنيين.

3- إن الله سبحانه وتعالى قد سمى العبد كاسبا في العديد من الآيات: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) وقوله (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقوله (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) وقوله (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) وقد تعددت المواضع بذكر الكسب حتى بلغت سبع وخمسين موضعا في القرآن الكريم.

4- الآيات التي تبين توقف افعال الإنسان ومشيئته على مشيئة الله سبحانه وتعالى كقوله تعالى {ولوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} وقوله تعالى { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله ربنا} وقوله { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}وقوله { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }

الرأي الخاص

ومن استعراض كل من موقف الأشعري والمعتزلة نرى أن الفعل الإنساني لا بد من أن يكون واقعا بطريقة ما من الإنسان وإلا فإن الأمر والنهي والثواب والعقاب كله لن يكون له معنى ولن يكون ذلك إلا كأن اكلف مقعدا بالجري ثم اعقابه إن لم يستطع ذلك.

ولكن على ما يبدو ان كل من الاشعري والمعتزلة قد حاولوا مقاربة الصواب قدر ما استطاعوا فأصابوا في ناحية وأخطؤوا في أخرى.

فالمعتزلة أخطؤوا حين اثبتو إرادة للإنسان تخالف إرادة الله فجعلو الإنسان قادرا على مجابهة الإرداة الإلهية فقد هربوا من قولهم ((هل يعصى الله بإرادته)) فأجيبوا ((وهل يعصى الله قهرا !!)) فكان ما هربوا منه اهون مما وصلوا إليه

وكذلك الأشعري قد علق فعل الإنسان على أمر خفي على كثير من الناس فما هو هذا الكسب وما مدى تأثيره وكيف لا يكون الإنسان فاعلا وهو كاسب وكيف نفرق بين الاستطاعة والقدرة !!

وعلى ما يبدو أن التقارب بين المذهب الاعتزالي والمذهب الاشعري في المراحل التالية لعصر الأشعري قد ساعدت على حل هذه القضية وقد تجلى ذلك في موقف إمام الحرمين الجويني الاشعري المذهب. فقد ذهب إلى ان الإنسان فاعل لفعله على الحقيقة وهو يوجده بقدرته مستقلا عن الله سبحانه وتعالى ولكن هذه القدرة التي أوجد بها الإنسان فعله هي من إيجاد الله سبحانه وتعالى فيه, فالله سبحانه وتعالى قد اعطاه تلك القدرة ليوقع بها أفعاله وفي والوقت نفسه فإن إرادة الإنسان لاتخالف إرادة الله سبحانه وتعالى ولا يكون في هذا الكون إلا ما يشاءه الله سبحانه وتعالى.



[1] المغني في أبواب العدل والتوحيد. 11\127تأليف: القاضي عبد الجبار الأسد آبادي. تحقيق: محمد علي النجار, د. عبد الحليم النجار. نشر: المؤسسة المصرية العامة – القاهرة – طبعة1960.





قريبا افتتاح المكتبة الوقفية في حلب ((مرفق بالصور))

5 08 2009

حاولت ان اكتب بلغة المراسل المتجرد عن الخبر ولكني شعرت بفشل ذلك الاسلوب خصوصا إزاء حماسي لتلك المكتبة لذلك أفضل ان اكتب ما يدور بخاطري حول تلك المكتبة قبل ان اصوغ العبارات في قوالب خالية من المشاعر …

اليوم وعند الساعة الثانية بعد الظهر شددت الرحال إلى المكتبة الوقفية التي يتم تجهيزها في الطابق السفلي للمسجد الأموي في حلب  … بصراحة قد ادهشني ما رأيت وأدهشني اكتر الخطط الموضوعة لتنظيم الامور العلمية فيها

تتميز المكتبة بفن العمارة الإسلامية الواضح في جميع معالمها بدء من استخدام الأخشاب في الديكور وانتهاء إلى الزخارف التي تعلو الزجاج فيها والمقاعد وكل شيء  بعد ذلك المظهر الآخاذ تبدو مظاهر روح العصر متجسدة في المكتبة حيث قد خصصت ثلاث قاعات للمعلوماتية احداها للفهارس الالكترونية والقاعتين المتبقيتن للانترنت إحداهما للذكور والأخرى للإثاث فضلا عن ذلك يبدو الذكاء واضحا في فكرة استخدام المكاتب المتحركة على سكك معدنية للاستفادة القصوى من المساحة المتاحة للمكتبة

ما يميز هذه المكتبة وبحق هو انها قد تجسدت لأجل الباحث العلمي فبإمكان اي باحث القيام بتناول الكتاب الذي يريد من الخزائن فضلا عن إمكانية اي زائر لاستخدام الفهارس الإلكترونية مباشرة دون انتظار خدمة الموظف التي يطول انتظارها

وبما أن الكلام لا ينقل الواقع فإليكم بعض الصور من قلب المكتبة الوقفية :

مدخل الشرف

مدخل الشرف

هذا المدخل هو مدخل الضيوف والسياح يؤدي هذا المدخل إلى قاعة على شكل مستطيل حيث ستعرض فيها نماذج من المخطوطات وبعض من المقتنيات العلمية الأثرية بالإضافة إلى عرض لمصحفين على شكل مخطوطات قديمة على الأماكن المخصصة لهم وهذه القاعة تظهرها الصور التالية :

قاعة عرض المخطوطات والآثار

قاعة عرض المخطوطات والآثار

قاعة عرض المخطوطات والآثار

قاعة عرض المخطوطات والآثار

الحامل المخصص للمححف الكريم

الحامل المخصص للمححف الكريم

كما قلت سابقا فإن في المكتبة ثلاث قاعات للمعلوماتية

قاعة المعلوماتية للذكور

قاعة المعلوماتية للذكور

قاعة المعلوماتية للإناث

قاعة المعلوماتية للإناث

كما تحتوي المكتبة على قاعة محاضرات مجهزة بشاشة إسقاط وشاشتين LCD بالإضافة إلى غرف ترجمة فورية إلى أربع لغات مختلفة وكغيرها من القاعات في المكتبة يظهر فيها الفن المعماري الإسلامي لا سيما في القبة التي تعلو سقفها :

قاعة المحاضرات قاعة المحاضرات

14

غرف الترجمة المباشرة خلف المقاعد

غرف الترجمة المباشرة خلف المقاعد

في الصور التالية تظهر طاولات المطالعة وهي منفصلة قسم مخصص للذكور وقسم مخصص للإناث

قاعة المطالعة

قاعة المطالعة

كما تحتوي المكتبة على قاعة لكبار الباحثين حيث سيتواجد في المكتبة وبشكل يومي مختصين من الفروع العلمية المختلغة كالعقائد والأديان والفقة واصوله والحديث والمصطلح والتفسير وعلوم القرآن بحيث يتمكن الطالب من الرجوع لهم في حال إرادته الاستفسار عن أي شيء يمس البحث الذي يقوم به.

بارك الله بالقائمين على هذه المكتبة التي سيكون لها دور بارز في النهضة العلمية بإذن الله سبحانه وتعالى ولا بد من تقديم شكر صادق للدكتور محمود مصري صاحب فكرة المكتبة الوقفية وهو مدير المكتبة الوقفية بارك الله بجهوده وجعلها في صحائف اعماله





تحميل كتب مالك بن نبي صيغة pdf

4 08 2009




مسألة عذاب القبر بين أهل السنة والمعتزلة

3 08 2009

من المعروف  والشائع ان المعتزلة قد ذهبوا إلى إنكار عذاب القبر ولكن هذا القول ليس بالدقيق علميا لأن المعتزلة لم يذهبوا إلى هذا القول وإنما الذي ذهب إليه وتبناه هو ضرار بن عمرو(ت190) الذي كان احد شيوخ المعتزلة ثم تبرأ المعتزلة منه وكفروه وطردوه وهكذا يتبين ان القول بإنكار عذاب القبر هو قول ضرار بن عمرو فحسب ومن ثم عمم هذا القول خطأً على باقي المعتزلة وذلك من باب اعطاء الكل حكم الجزأ .

فكبار المعتزلة هم من مثبتي عذاب القبر ولم يخالفو فيه أهل السنة و من أولئك المعتزلة  بشر بن المعتمر(ت210) و الجبائيين ابو علي (ت303)وابنه ابو هاشم (ت321) وسائر المعتزلة.

ويؤكد هذه الحقيقة ابن حزم الاندلسي(ت456) في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل كما يدافع القاضي عبد الجبار المعتزلي(ت415) عن الاعتزال وأهله في هذه المسألة في كتابه فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. وذلك حينما يتبرأ من ضرار بن عمرو وأقواله في مسألة عذاب القبر ومسألة الاختيار والجبر التي قال فيها بالكسب

وقد استدل ضرار بن عمرو بمنع عذاب القبر بأدلة عقلية في المقام الأول وقد دعمها بأدلة نقلية متمثلة بنصوص من القرآن الكريم ويمكن إجمال تلك الأدلة بالتالي:

1- إن عذاب القبر مبني على سؤال الملكين كما يزعم المثبتون والأجابة على السؤال تتطلب وجود العلم وهذا العلم لا وجود له بدون الحياة التي لا يتصور وجودها الا في جسد سليم متكامل الاعضاء لا في جثة متحللة متفككة الاعضاء فتعذيب الميت وسؤاله مستحيل لأنه ميت ولا حياة فيه والسؤال والتعذيب لا يكون إلا لمن كان فيه حياة.

2- قوله تعالى : (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان:56]

3-   قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور)[فاطر:22]

وفي مقابل قول ضرار بن عمرو نجد أن أهل السنة بشكل عام وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري(ت324) وكذلك كبار المعتزلة كما تقدم ومنهم الجبائيين يثبتون عذاب القبر  ويردون على من أنكر ذلك العذاب وقد استدل أهل السنة لمذهبهم بالعديد من الأدلة النقلية بعد أن ردوا أدلة ضرار بن عمرو ويمكن إجمال ردودهم بالتالي:

1- اجاب الاشاعرة على دليل ضرار العقلي بأن الحياة شرط للعلم إلا أن الدلائل السمعية قد وردت بثبوت عذاب القبر فيجب إثباته والله سبحانه وتعالى لا يعجز أن يعيد إلى الميت نوعا من الحياة مختلفة عن الحياة الدنيا فيكون باستطاعة الميت أن يشعر ويجيب الملكين ويبقى في نعيم أو عذاب إلى يوم مبعثه.

2- قوله تعالى : (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان:56] بأن هذه الآية تعني أن نعيم الجنة لا ينقطع بالموت كما ينقطع نعيم الدنيا به.

3-   قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور)[فاطر:22] إن عدم اسماع من في القبور لا يعني عدم إدراك المدفون لشيء إطلاقا.

أما أدلتهم النقلية فهي:

1- قوله تعالى : (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)[غافر:46] ولو كان المراد بالأول عذاب النار لما ورد القيامة بعده بالذكر

2- قوله تعالى في قوم نوح : (ممَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا)[نوح:25] والفاء للتعقيب

3- قوله تعالى حكاية عن لسان أهل النار: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)[غافر:11] مما يعني أن في القبر حياة وموتا آخر سوى الحياة والموت الموجود في الدنيا فقد أراد به الإماتة عند الخروج من الدنيا والإحياء في القبر ثم الإماتة فيه ثم الإحياء يوم الحشر والنشر ولا يمكن حمله إلا على الإحياء بعد حلول الموت والمواتية لا تسمى موتا في عرف أهل اللغة

4- قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) وقد قيل في تفسير هذه الآية أن القول الثابت في الآخرة هو الأجابة على سؤال الملكين.

الرأي الخاص في المسألة :

ومن خلال الاطلاع على أدلة الفريقين نجد أن ضرار بن عمرو قد ذهب إلى إنكار عذاب القبر انطلاقا من العقل وحده ومن ثم حاول أن يجد النصوص المناسبة لحكم العقل فجذبها إلى طرفه, فمنهجه ها هنا هو جعل العقل حاكما على النقل فإن وافق النقل العقل كان مرحبا به وإن لم يكن كذلك قدم العقل على النقل وحاول ان يلتمس من النقل ما يشهد لهذا القول ولو وجدت نصوص آخرى تعارض النقل الذي استشهد به أو أمكن تأويل النقل بما يبطل استشهاده.

أما أهل السنة فقد تمسكوا بالعقل والنقل على حد سواء ولكنهم قدموا النقل أولا فقد دلت النصوص في القرآن الكريم وكذلك النصوص المستفيضة في السنة النبوية المطهرة على وقوع عذاب القبر فأثبتوه  انطلاقا من قاعدة {ورد الشرع به والعقل لا يحيله} فكل ما ورد الشرع به من السمعيات كالصراط والحساب والجزاء مبني على هذه القاعدة التي تتألف من شقين الاول ورود الخبر بذلك والثاني امكان ذلك الأمر.

وبالتالي فأننا نجد أنفسنا أمام موقفا منهجي لاهل السنة بشكل عام والاشاعرة منهم بشكل خاص مما يجعلنا نعتقد انهم وفقوا للاصابة في هذه المسألة .





التوسل والاستغاثة الفرق ما بينهما وما هو الجائز منهما

2 08 2009

اضطربت الاقلام في هذا الموضوع واختلف الإسلاميون في هذا الموضوع ما بين مواقف عديدة ومن الافضل في هذا المقام ان نتابع التدرج التاريخي للمسألة فمن خلال ذلك التدرج التاريخي نعلم أي الاقوال هو الجديد المبتدع وأي الأقوال في المسألة هو القديم الذي قد كان عليه العمل ولكن قبل ذلك كله لا بد من الوقوف بالتعريف بكل من التوسل والاستغاثة  وسنقصر ذلك على التعريف الشرعي دون اللغوي لأن التعريف الشرعي هو ما سيكون عليه مدار الكلام

التوسل : هو طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى مستشفعا للوصول إلى حاجتك بعمل صالح او بشخص صالح

الاستغاثة: هو طلب الحاجة مباشرة دون الاستشفاع بأحد وقد تكون طلب الحاجة من شخص وقد تكون من الله سبحانه وتعالى

والاستغاثة اي طلب الحاجة _ الآخروية _ كالرحمة ودخول الجنة وما شابهها من امور لا يصح وقوعها إلا من قبل الله عز وجل يحرم طلبها من غيره لأن فيها معنى الشرك وهذا الحكم موضع اتفاق بين جل المسلمين

اما التوسل فهو نوعان : اما قولي أو فعلي

قولي : هو التوسل بجاه فلان من الناس وقد يكون ذلك الشخص حيا او ميتا وقد يكون التوسل بجاه عمل من الاعمال الصالحة التي فعلها الداعي

فعلي : هو الذهاب إلى شخص من الصالحين ليدعو لك

والتوسل الفعلي محل اتفاق بين الأشعرية والماتريدية من جهة والحنابلة من جهة أخرى , وكذلك هو حال التوسل القولي بحياة احد الصالحين ولكن يبقى موضع الاشكال وهو التوسل بأحد الاموات من الصالحين والأنبياء بما فيهم محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد ذهب  الوهابية إلى منع جواز التوسل بالأموات الصالحين واعتبروا ذلك بدعة  ومن المعروف لديهم أن كل بدعة ضلالة فلا يجوز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بغيره

بينما ذهب باقي أهل السنة والجماعة إلى جواز التوسل بالاموات الصالحين وقد استدلوا لذلك بأدلة عديدة منها :

ومن العلماء القائلين بمنع جواز التوسل واهمهم ابن تيمية

ومن العلماء الذين اجازوا التوسل : الامام مالك , الامام ابو حنيفة , الامام احمد بن حنبل , الإمام الطحاوي وغيرهم من الرعيل الاول من التابعين ولمن أراد الاطلاع على النصوص فليتابع الحاشية رقم ( 1 )

أدلة المانعين من التوسل :

وقد اطلعت على مؤلفات ابن تيمية فرأيته قد منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم مستدلا بحديث الاستسقاء بالعباس رضوان الله عليه وقد وجه الحديث بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد استسقوا بالعباس ولم يستسقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فدل فعلهم على عدم جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد هذا الكلام لابن تيمية في كل من مجموع الفتاوى 27\154, اقتضاء الصراط 1\415, الرد على البكري1\111
إلا أن الدليل لا يسلم لابن تيمية فقد ترك الصحابة رضوان الله عليه التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته خشية اعتقاد بعض الجهال بأنه هو المجيب لدعائهم لا أنه مجرد وسيلة يتوسل بها إليه سبحانه وتعالى وقد ورد ما يؤيد هذا الكلام في كتاب روح المعاني للآلوسي 4\475 إذ قال: ((نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحرمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . ولعل ذلك كان تحاشياً منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس إذ ذاك وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام شيء ، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين ، وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في «الصحيح» ، وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم كما يزعمه البعض في التوسل بجاه عريض الجاه صلى الله عليه وسلم لا للميل إلى أن الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة ، فإنه لا يستريب منصف في أن ما علمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم)) وأضيف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قطع شجرة الرضوان مع أن بقاء شجرة لم يكن يضره شيئا إلا أنه فعله لسد الذرائع وعدم توسل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته كان من سد الذرائع كذلك وبعد أن تباعد عصر الجاهلية أقدم التابعون على التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد بذلك القول عن الإمام مالك وأحمد والنووي وغيرهم رحمهم الله وقد قال صاحب فيض الباري في شرح صحيح البخاري في حديث الاستسقاء بالعباس : “(وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. فاسقنا، فيسقون) قلت: وهذا توسل فعلي، لأنه كان يقول له بعد ذلك: قم يا عباس فاستسق، فكان يستسقي لهم. فلم يثبت منه التوسل القولي، أي الاستسقاء بأسماء الصالحين فقط، بدون شركتهم. أقول: وعند الترمذي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أعرابيا هذه الكلمات – وكان أعمى : اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة….، إلى قوله: اللهم فشفعه في»، فثبت منه التوسل القولي أيضا. وحينئذ إنكار الحافظ ابن تيمية تطاول”.

أدلة المجيزين للتوسل :

((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) ))

قال العُتْبي،: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنَت بالقاع (1) أعظُمُه … فطاب منْ طيبهنّ القاعُ والأكَمُ …

نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه … فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ …

ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عُتْبى، الحقْ الأعرابيّ فبشره أن الله قد غفر له وإن كانت هذه الرواية ضعيفة فقد ورد قول الأئمة من التابعين المجيزين للتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم تطاول العهد إلى عصر العز بن السلام فأصبح الخلط بين التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يعد يفرق المتوسل بين الطلب من الله سبحانه وتعالى بحاه نبيه الكريم وبين الطلب من رسول الله وكأنه هو المتصرف بالكون فأفتى العز بحرمة التوسل قوليا بالأموات ولو كان ذلك الشخص هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ليسد الذريعة من جديد وتابعه ابن تيمية في ذلك. واليوم نفرق بين الاستغاثة والتوسل فالتوسل جائز سواء أكان التوسل قوليا أم فعليا والاستغاثة بغير الله عز وجل محرمة لأنه شرك.

وردت نصوص في القرآن الكريم تبيح التوسل منها ما هو صريح ومنها ما قد أختلف في تفسيره كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:35] فهذا مما اختلف في تحديد مفهوم الوسيلة فيه وقد قال قوم بأن المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومنه ما هو صريح كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء:64]

وكما جاء في حديث الأعمى عن عثمان بن حنيف : أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافيني قال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في. [ سنن الترمذي 5\569 , سنن ابن ماجه 1\441] صححه كل من الترمذي وابن ماجه والألباني

الاقوال في مسألة التوسل وتاريخ كل واحد منها :

ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية ثلاث أقوال في التوسل كالتالي:

القول الأول : جواز التوسل بالأنبياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم . قال به مالك ، والسبكي ، والكرماني ، والنووي ، والقسطلاني ، والسمهودي ، وابن الحاج ، وابن الجزري .واستدل القائلون بجواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين بأدلة كثيرة ، منها ما ورد من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل « أسألك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاي هذا إليك » . ومنها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء لفاطمة بنت أسد « اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ، ووسع عليها مدخلها ، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ، فإنك أرحم الراحمين »

القول الثاني : أجاز العز بن عبد السلام وبعض العلماء الاستغاثة بالله متوسلا بالنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين حال حياتهم . وروي عنه أنه قصر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وحده

القول الثالث : عدم جواز الاستغاثة إلا بالله سبحانه وتعالى ، ومنع التوسل في تلك الاستغاثة بالأنبياء والصالحين ، أحياء كانوا أو أمواتا .وصاحب هذا الرأي ابن تيمية ، ومن سار على نهجه من المتأخرين

ونحن إن أطلعنا على الترتيب التاريخي للأقوال الثلاثة علمنا أي قول منهم هو القول المحدث فالترتيب الزماني للأئمة كما هو الترتيب الوارد أعلاه فالأمام مالك من القرون الثلاثة الأولى فوفاته 197هـ أما العز بن عبد السلام فوفاته 660 هـ وابن تيمية رحمه الله وفاته 728هـ.  فقول ابن تيمية هو آخر ما قد احدث في المسألة من الاقوال فإن كان هناك من مبتدع في هذه المسألة فأحد الطرفين متهم بالابتداع:

أول الأطراف: هم من أتى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بداية القرن الثاني كالامام أبو حنيفة 150هـ والإمام مالك197 هـ ومن أتى في منتصف القرن الثاني كالإمام أحمد بن حنبل 241هـ والمتأخرين من الأعلام كالنووي و الأمير الصنعاني والشوكاني وغيرهم, وقد أجازوا التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثاني الأطراف: ابن تيمية رحمه الله منفردا عن باقي الأمة ومن المعلوم أنه قد توفي في قرابة منتصف القرن السابع الهجري 728 هـ كما سبق ذكره وقد منع التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

لذلك فعلى من يرى عدم مشروعية جواز التوسل الوقوف مليا والتفكير في ما يعتنق ولا يدعي بذلك أنه يتابع السلف , فالسلف هم ابو حنيفة ومالك والامام احمد والإمام الطحاوي وجيلهم الذي عاش معهم وليس السلف ابن تيمية

_____________

1 ) ((ذهب الطحاوي صاحب الحاشية إلى جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال في حاشيته ((قوله : وما أرسلناك إلا رحمة أي راحما أو ذا رحمة وفي التعبير عنه بالرحمة ما لا يخفى من غظيم اتصافه صلى الله عليه وسلم بها وشمل العالمين الكفار في الدنيا فمنع عنهم الخسف والمسخ أو عن غالبهم وأصاب جبريل من هذه الرحمة شيء فقد أمن به من السلب وخص العالمين لشرفهم وإلا فرحمته عمت البهائم والأشجار والأحجار قوله : فيتوسل إليه بصاحبيه ذكر بعض العارفين أن الأدب في التوسل أن يتوسل بالصاحبين إلى رسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ثم به إلى حضرة الحق جل جلاله وتعاظمت أسماؤه فإن مراعاة لواسطة عليها مدار قضاء الحاجات. )) حاشية الطحاوي 2\547

وقد ورد في كتب الفقه باب الاستسقاء أنه يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالصالحين وقد نصه بعض أصحاب تلك الكتب على التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه صلى الله عليه وسلم كان قد توفي في وقت تأليف تلك الكتب وذلك كما ورد في كتاب الإقناع وهو كتاب في الفقه الحنبلي وانت تدرك أن اصحاب الفتاوى التي جئت بها في معظمهم مع شيخيهم ابن تيمية ينتسبون إلى ذلك المذهب جاء في الإقناع 1\106 قوله: ((ولا بأس بالتوسل بالصالحين ونصه بالنبي صلى الله عليه وسلم)) وحكم أباحة التوسل وارد عن صاحب المذهب الحنبلي نفسه وهو الإمام احمد بن حنبل فقد ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى استحباب التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم لا الجواز فحسب فقد ورد في كتاب الفروع 3\153وفي كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف5\28 النص التالي: ((يجوز التوسل بصالح ، وقيل : يستحب ، قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروذي : إنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ، وجزم به في المستوعب وغيره)) وقد السبكي رحمه الله وورد قوله في كتاب سبل الهدى والرشاد 12\403: اعلم أن الاستعانة والتشفع بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وبجاهه وبركته إلى ربه تبارك وتعالى من فعل الأنبياء – صلى الله عليه وسلم – وسير السلف الصالحين واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته الدنيوية، ومدة البرزخ [ وبعد البعث ] وعرصات القيامة، وذلك مما قام الإجماع عليه وتواترت به الأخبار، وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح، وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي – صلى الله عليه وسلم – أولى، وفي العادة أن من له عند شخص قدر يتوسل به إليه في غيبته، فإنه يجيب إكراما للمتوسل به، وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سببا للإجابة ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل، أو الاستعانة، أو لتشفع أو السجود، ومعناه: التوجه بذي الحاجة، وقد يتوجه بمن له جاه إلى من هو أعلى منه، وكيف لا يتشفع ويتوسل بمن له المقام المحمود والجاه عند مولاه، بل يجوز التوسل بسائر الصالحين
وقد جاء في تفسير البحر المديد في تفسير قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]

اعلم أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم سُلم ومعراج الوصول إلى الله؛ لأن تكثير الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تُوجب محبته ، ومحبتُه عليه الصلاة والسلام توجب محبة الله تعالى ، ومحبته تعالى للعبد تجذبه إلى حضرته ، بواسطة وبغيرها . وأيضاً : الرسول صلى الله عليه وسلم وزير مقرب ، ومَن رام دخول حضرة الملوك يخدم الوزير ، ويتقرّب إليه ، حتى يُدخله على الملِك . فهو صلى الله عليه وسلم حجاب الله الأعظم ، وبابه الأكرم ، فمَن رام الدخول من غير بابه طُرد وأُبعد ، وفي ذلك يقول ابن وفا

وأنت بابُ الله ، أيّ امرىء … وفاه من غيرك لا يدخلِ

وقال الشيخ الجزولي رضي الله عنه في دلائل الخيرات : وهي من أهم المهمات لمَن يريد القرب من رب الأرباب . وقال شارحه : ووجه أهميتها من وجوه ، منها : ما فيها من التوسُّل إلى الله سبحانه بحبيبه ومصطفاه . وقد قال تعالى : { وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةِ } [ المائدة : 35 ] ، ولا وسيلة إليه أقرب ، ولا أعظم ، من رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم .
ومنها : أن الله تعالى أمر بها ، وحضَّنا عليها ، تشريفاً له وتكريماً ، وتفضيلاً لجلاله ، ووعد مَن استعملها حُسن المآب ، وجزيل الثواب ، فهي من أنجح الأعمال ، وأرجح الأقوال ، وأزكى الأحوال ، وأحظى القربات ، وأعم البركات ، وبها يتوصل إلى رضا الرحمن ، وتنال السعادة والرضوان ، وتجاب الدعوات ، ويرتقي إلى أرفع الدرجات

وقد بين صاحب كتاب روح المعاني في تفسير القرآن الآلوسي الحكم في هذه المسألة خير بيان فقال: ((ويحسن التوسل والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يقله عالم)) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 4\472.